د محمد عبدالرؤوف يكتب: خمس أزمات في خمس سنوات..متى يفيق المواطن والاقتصاد ؟
لم يعد المواطن،والاقتصاد العالمي يعيش أزمات منفصلة لا يمكن تجاوزها، بل دخل مرحلة “الضغط الممتد”، حيث تتلاحق الصدمات بوتيرة سريعة، فتتعطل معها قدرة الدول على التقاط أنفاسها. وخلال خمس سنوات فقط، تشكلت خريطة جديدة للعالم عنوانها عدم الاستقرار، واقتصاد عالمي يتحرك تحت وقع الأزمات لا تحت منطق النمو.
بدأت القصة مع جائحة COVID-19 عام 2020، حين توقف العالم فجأة. أغلقت الحدود، توقفت حركة الطيران، تجمدت سلاسل الإمداد، وانكمش النشاط الاقتصادي بشكل غير مسبوق. لم تكن الأزمة صحية فقط، بل كانت صدمة اقتصادية شاملة أعادت تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي، ووضعت الدول أمام اختبار القدرة على البقاء في ظروف شبه متوقفة.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، لتفتح بابًا جديدًا من الاضطراب، هذه المرة في قلب أسواق الطاقة والغذاء. ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، وقفزت أسعار القمح والأسمدة، واشتعلت موجة تضخم عالمية طالت الجميع دون استثناء. بالنسبة لمصر، كان التأثير مباشرًا على فاتورة الاستيراد وسعر الصرف وكلفة المعيشة، لتتحول الأزمة إلى عبء يومي على الاقتصاد والمواطن معًا.
وفي الخلفية، ظلت الحرب في اليمن تمثل جرحًا مفتوحًا في خاصرة التجارة العالمية، ليس فقط كصراع إقليمي، بل كعامل ضغط دائم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق باب المندب. ومع أي تصعيد أو اضطراب، ترتفع تكلفة التأمين والشحن، وتتعطل سلاسل الإمداد، فتنعكس التداعيات على أسعار الطاقة والتجارة العالمية بأكملها.
ثم جاءت حرب غزة في 2023، لتضيف طبقة جديدة من التوتر في منطقة تمثل قلب الجغرافيا الاقتصادية للطاقة والتجارة. لم يعد التأثير محليًا أو إقليميًا فقط، بل امتد إلى الأسواق العالمية، حيث ارتفعت حالة عدم اليقين، وتزايدت تقلبات أسعار النفط، وتعمقت المخاوف من اتساع نطاق الصراع في منطقة شديدة الحساسية للاقتصاد الدولي.
وأخيرًا، تصاعدت حدة التوترات بين إيران وإسرائيل، لتصبح الحلقة الأخطر في هذه السلسلة، لما تحمله من احتمالات مباشرة لتهديد إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل الأسواق تتحرك بمجرد التصريحات قبل حتى أي تطور عسكري. هنا يصبح الاقتصاد رهينة “التوقعات” قبل الأحداث، والخوف نفسه عاملًا اقتصاديًا مؤثرًا.
هكذا لم تعد الأزمات منفصلة، بل أصبحت منظومة ضغط واحدة، تدفع الاقتصاد العالمي نحو حالة “تعافٍ مؤجل”، حيث يبدأ التعافي قبل أن ينتهي الانكماش، ويولد التضخم قبل أن يموت سابقه. النتيجة عالم يعيش بين اضطراب الطاقة، وهشاشة سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة على التنبؤ بالمستقبل الاقتصادي.
أما مصر، فقد وجدت نفسها في قلب هذا المشهد دون اختيار. ارتفاع أسعار النفط انعكس مباشرة على الموازنة العامة، وزاد من فاتورة الاستيراد، بينما دفع التضخم إلى ضغوط معيشية واضحة. ومع اضطراب حركة التجارة العالمية والإقليمية، أصبحت التحديات أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
ورغم ذلك، لم تتوقف الدولة عن التحرك. فقد اتجهت إلى تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في إنتاج الغاز الطبيعي، والاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة، إلى جانب بناء احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية، في محاولة لتقليل أثر الصدمات الخارجية. كما تواصل الدولة إدارة معادلة دقيقة بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية، في بيئة عالمية لا تمنح فرصًا مستقرة.
ويبقى السؤال الأهم حاضرًا: متى يفيق الاقتصاد المصري؟
والإجابة الأكثر واقعية اليوم هي أن العالم نفسه لم يفق بعد. فطالما استمرت هذه السلسلة من الأزمات، سيظل التعافي الكامل مؤجلًا، وسيظل الاقتصاد يدور داخل دائرة إدارة المخاطر لا النمو.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الدول التي تستعد جيدًا – لا التي تنتظر – هي التي تنجو. ومصر، رغم صعوبة اللحظة، تتحرك في هذا الاتجاه، محاولة أن تصنع توازنها داخل عالم لا يعرف التوازن.
حفظ الله مصر قيادةً وشعباً .
كاتب المقال : الاستاذ الدكتور / محمد عبدالرؤوف .. رئيس مجلس ادارة مركز تطوير الكيماويات لقطاع البترول - معهد بحوث البترول