وثائقيات المستقبل: أسرار وكواليس وزراء البترول مع رؤساء الهيئة (1)
يأتي هذا الموضوع الوثائقي التأريخي الذي ننشره على حلقات، ليلقي الضوء على جانب خطير من شكل العلاقة بين أكبر قطبين في قطاع البترول، الوزير ورئيس الهيئة، كونه من أهم العوامل التي تؤدي إلى نجاح المرحلة أو فشلها.
هذا الموضوع تحديدًا يخرج من دائرة الموضوعات المستهلكة التي أوسعتها المواقع الإخبارية البترولية عرضًا وشرحًا وتحليلًا. قمنا بدراسته وتوثيقه بكل ما أتيح من معلومات، لنبين حساسية العلاقة بين هذين القطبين، ولكنه في البداية لن يكون قصصيًا كما يتوقع القارئ، وإنما يأتي لتوضيح فلسفة الاختيار التي يتبناها الوزير، والتي تنبع من شخصيته وطريقة عمله، وهذا أخطر ما في الموضوع.
ولن نستطيع الجزم أيضًا بكواليس كل خلاف حدث، بين وزراء البترول السابقين ورؤساء الهيئة، لأنه سيكون محل آراء مختلفة، وإنما سيكون التركيز على عنوان العلاقة، وهو الأهم.
في السابق، ارتبطت شخصية الوزير، أي وزير، بتحديد نوعية رئيس الهيئة، ولكن يربطهم جميعًا مبدأ عام، وهو أنهم يؤمنون بأن المرشح لهذا المنصب هو جزء مهم من إدارته، وأن عليه أن يفعل المستحيل لتحقيق سياساته ومساندة موقعه في الحكومة، وهذا بالتأكيد حق أصيل، وبالطبع تأتي مسؤولية زيادة الإنتاج على رأس تلك المهام.
وزراء البترول كانوا شخصيات مميزة بالفعل، كل منهم كان له بصمته وشكل وطعم مميز لإدارته، وإذا كان هذا ما ستجده في الجانب الوزاري، فإن جانب رئيس الهيئة كان يعتمد تمامًا على نوعية شخصيته وقدرته على التوافق مع المشكلات المرتبطة بالعمل، وتجنب العناد والتحيز للرأي، لأنهما كانا أكبر آفة تضرب هذه العلاقة، وهما أيضًا من أهم العوامل التي تحافظ على المسافة الآمنة بين الوزير ورئيس الهيئة.
فعلى سبيل المثال، نجد أن هذه المسافة اختفت في عهد الراحل عبد الهادي قنديل مع محمد معبد، وكان معبد يتمتع وقتها بشخصية قوية وعنيدة لم تلائم الكاريزما الطاغية لعبد الهادي قنديل، فأقاله بطريقة درامية في آخر يوم من عام ١٩٨٨، وكلف الدكتور حمدي البنبي، رئيس جابكو آنذاك، برئاسة الهيئة بعد زيارة سريعة قام بها إلى منطقة شقير.
كانت حركة مباغتة وعنيفة تدل على أن الصدام قد وصل إلى منتهاه، حتى قيل إنه كان يرفض تنفيذ تعليمات الوزير بشكل جهري، على الرغم من علمه بأنها معركة غير متكافئة، حتى لو كان يطمع في تأييد أحد أعضاء الحكومة آنذاك.
وبعد أن جاء الدكتور حمدي البنبي على رأس الوزارة، استعان بالدكتور مصطفى شعراوي، رئيس خالدة آنذاك، في بداية مرحلة من تمكين التكنوقراط الفني، خاصة أن إنتاج جابكو كان قد بدأ في التراجع، وكان الدكتور شعراوي عالمًا كبيرًا في هندسة البترول، وكانت له محاولات لزيادة الإنتاج من حقول خالدة، كان أهمها تطبيق الحفر الأفقي لأول مرة في مصر، ولكنه للأسف أثبت فشله في تلك المناطق.
كانت شخصية الدكتور شعراوي هادئة ومتحفظة إلى أبعد الحدود، وكان مشهورًا بالتشدد المالي إلى أبعد الحدود، وهو ما خلق نوعًا من التوافق الشخصي بينه وبين الوزير، وكانت هذه المرحلة عنوانًا لتعريف التوافق الشخصي المطلوب بين الوزير ورئيس الهيئة.
ويتوالى الوزراء، ويتوالى معهم رؤساء هيئة كثيرون.
انتظرونا في الحلقة القادمة لنرى من هم رؤساء الهيئة في عهد سامح فهمي، وكيف كانت العلاقات بينهم، وما هي المعارك التي دارت خلال تلك الفترة.
المستقبل البترولي