الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 الموافق 11 ربيع الثاني 1448

د جمال القليوبي يكتب: أسواق النفط والمعاناة بسبب تعطل إمدادات السعودية

59
المستقبل اليوم

مازالت حاله عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لها تاثير نافذ في امدادات الطاقة في العالم حيث ان تداعيات الحرب الأمريكية علي ايران لها انعكاسات واضحه في الردود بين الطرفين وكلاهما في عناد انعكس علي مسارات الملاحه والمضايق البحرية فيه ، ويتمثل هذا التأثير في ان أزمة أسواق النفط العالمية ليست مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو بتراجع المخزونات، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر خطورة: هل تستطيع منظومة الطاقة العالمية تحمّل تعطل جزء كبير من الإمدادات السعودية لفترة طويلة؟ وماهو التأثير القريب والبعيد علي اقتصاد العالم ؟ وهل انتاج النفط السعودي له تاثير علي مستوي المعروض للبيع في الأسواق ؟

تحمل تلك الاسئلة الكثير من التصورات لما الي اليه سعر برميل النفط الان حتي في أصعب التطورات التي مرت بها حرب اسرائيل وامريكا علي ايران لم تكون محطات اسعار النفط تتوقف مرتفعه عن ال ١٠٠ دولار كما حدثت تلك الايام ويرجع ذلك الي انً التطورات الأخيرة التي أصابت البنية التحتية النفطية السعودية، وخصوصًا خط أنابيب شرق–غرب ومرافق التصدير المرتبطة بميناء ينبع على البحر الأحمر، كشفت عن درجة هشاشة غير مسبوقة في سوق نفط يعاني أصلًا من اضطرابات جيوسياسية ومشكلات في طرق الملاحة الرئيسية.

وتكمن خطورة ما حدث في أن السعودية ليست مجرد دولة منتجة للنفط، وإنما تمثل أحد أهم أعمدة استقرار السوق العالمية، سواء بحجم إنتاجها اليومي في الأسواق وحجم صادراتها من الوقود والبتروكيماويات والأسمدة أو بقدرتها التاريخية على استخدام طاقتها الإنتاجية المخزنة للمساعدة في مواجهة اضطرابات الإمدادات.

ولكن أدت هجمات الحوثيين (مدعمه من ايران)  إلى إلحاق أضرار بعدد من محطات الضخ على خط شرق–غرب السعودي، وهو الخط الاستراتيجي الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر. وأصبح هذا المسار أكثر أهمية مع الاضطرابات التي أصابت الملاحة عبر مضيق هرمز ، وتشير التقارير إلى أن تعطل الخط أدى إلى وقف تحميلات للخام من ينبع وإلغاء أو تأجيل بعض الشحنات، وخاصة المتجهة إلى أوروبا. كما أفادت تقارير بأن بعض المصافي الأوروبية أُبلغت بعدم حصولها على شحنات سعودية كانت مقررة لشهر أكتوبر.القادم وهنا بدأت الأزمة تنتقل من حدود المملكة إلى المصافي والأسواق العالمية.

وطبقا لتقييم التقريرزالصادر من وكالة الطاقة الدولية فان أوروبا من أكثر المناطق حساسية تجاه تراجع الإمدادات السعودية في الوقت الحالي. فالمصافي الأوروبية تبحث بالفعل عن بدائل في بحر الشمال والولايات المتحدة وكازاخستان والجزائر وغيانا وغيرها ، والمشكلة ليست فقط في العثور على براميل بديلة، وإنما في نوعية الخام وتوقيت وصوله وتكلفة الشحن وقدرة المصافي على التعامل معه.

وبالتالي فإن استبدال النفط السعودي ليس عملية حسابية بسيطة تقوم على شراء العدد نفسه من البراميل من منتج آخر. تغيير مصدر الخام يمكن أن يؤدي إلى تغير اقتصاديات التكرير ونوعية المنتجات النهائية وهوامش الربحية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

ولذا انعكست الأزمة سريعًا على الأسعار. فقد تجاوز خام برنت خلال الأيام الماضية مستوى 100 دولار للبرميل، واقترب في بعض الجلسات من 109 دولارات، قبل أن يتراجع مجددًا إلى نحو 102 دولار مع ظهور مؤشرات على تعافي جزء من الصادرات السعودية والحديث عن احتمالات تحرك دبلوماسي لخفض التوتر ، ولكن التراجع النسبي للأسعار لا يعني انتهاء المشكلة لان الاسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي هجوم جديد على منشأة نفطية أو ناقلة أو خط أنابيب. وأصبحت علاوة المخاطر الجيوسياسية جزءًا رئيسيًا من تسعير البرميل يوميا .

وقد تحركت المملكة سريعًا للحد من تأثير توقف مسار ينبع، وبدأت في زيادة صادرات النفط من الخليج، مع استخدام عمليات نقل الخام من ناقلة إلى أخرى بالقرب من سلطنة عُمان ، وتشير أحدث المعلومات إلى زيادة كميات النفط السعودي التي يجري توجيهها عبر هذا المسار خلال سبتمبر وأكتوبر.

هذه الخطوة ساعدت بالفعل في تخفيف الضغط على الأسعار، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مشكلة استراتيجية أعمق: تكلفة نقل البرميل أصبحت أعلى، والمسارات أصبحت أطول وأكثر تعقيدًا ومخاطر النقل والتأمين ارتفعت بصورة كبيرة.
وبالتالي فإن وصول النفط إلى المستهلك النهائي لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، لأن تكلفة وصوله أصبحت جزءًا من المشكلة بينما المشكلة الرئسية هي عدم قدرة السعودية علي العودة الي الضخ ومساراته السابقه قبل لضربات الحوثيين الحاليه .

ولذلك فان أسواق النفط تعاني بالفعل من اضطرابات في الخليج، وانخفاض حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وتهديدات متزايدة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب اضطرابات أخرى في إنتاج وصادرات عدد من الدول ، وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن المخزونات النفطية العالمية شهدت انخفاضات كبيرة خلال الأشهر الماضية، في الوقت الذي تعرضت فيه صادرات الخليج لضغوط متواصلة.
وهذا يعني أن قدرة السوق على امتصاص صدمة إضافية أصبحت أقل مما كانت عليه في بداية الأزمة ، واصبحتزالمعادلة التي تحكم أسواق النفط وسعر البرميل هي زيادة الطلب علي النفط في الأسواق لتعويض المخزونات الاستراتيجية وكذلك زيادة كميات الاستهلاك خلال فترة الشتاء التي بداءت وكذلك ايجاد بداءيل اخري من خامات النفط في كلا من البرازيل وغنيا الاستواءيية وغيرها ولكن درجه جوده الخام غير جيده للمصافي

وبالتالي فان ارتفاع النفط لا يتوقف تأثيره عند محطات الوقو بل من الحقول الي المصافي ولذا فان 
كل دولار إضافي في سعر البرميل يمكن أن ينتقل بدرجات مختلفة إلى تكلفة النقل البحري والجوي والبري، وإنتاج الكهرباء والبتروكيماويات والأسمدة والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كما يؤدي ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات إلى زيادة تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار السلع والغذاء والنقل.

ومن هنا تتحول أزمة النفط تدريجيًا إلى أزمة تضخم عالمية يمكن أن تؤثر في قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي، والأحداث الأخيرة أثبتت مرة أخرى أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يعتمد على مضيق أو ميناء أو خط أنابيب واحد مهما كانت طاقته.

فمضيق هرمز تحت الضغط، والبحر الأحمر وباب المندب يواجهان مخاطر أمنية، وخط شرق–غرب السعودي تعرض للتعطل، بينما ترتفع تكاليف الطرق البحرية البديلة، ولذلك فإن المرحلة القادمة ستفرض على الدول المنتجة والمستهلكة إعادة التفكير في المخزونات الاستراتيجية ومسارات الأنابيب البديلة وموانئ التصدير وشبكات الربط الإقليمية ،كما ستزداد أهمية الدول التي تمتلك بنية تحتية تسمح بتوفير مسارات بديلة لنقل وتخزين وإعادة تصدير الطاقة.

ما يحدث في السعودية يمثل إنذارًا للأسواق العالمية أكثر منه مجرد أزمة مؤقتة في الإمدادات ، فالسعودية تحاول استعادة قدراتها التصديرية وإيجاد مسارات بديلة، وقد نجحت بالفعل في إعادة جزء من التدفقات، لكن الأزمة كشفت حقيقة مهمة: سوق النفط العالمية أصبحت تعمل بهوامش أمان أقل، بينما أصبحت طرق الإمداد نفسها جزءًا من الصراع الجيوسياسي ، وإذا طال تعطل المسار السعودي عبر البحر الأحمر، أو تعرضت طرق التصدير البديلة لمزيد من الهجمات، فإن السؤال لن يكون فقط: إلى أي مستوى سيصل سعر البرميل؟ بل سيكون السؤال الأخطر من أين سيأتي النفط الذي يحتاجه العالم، وكيف سيصل إلى الأسواق، وبأي تكلفة سوف تكون … والي تكمله قادمة




تم نسخ الرابط