الجمعة 02 أكتوبر 2026 الموافق 21 ربيع الثاني 1448

د جمال القليوبي يكتب: أسعار النفط ومعاناة الشحن والنقل والتأمين

249
المستقبل اليوم

 

يعاني العالم ازمة صعوبة حركة الملاحه النفطية ،حيث ان أزمة النفط العالمية لا تُقاس فقط بحمولة البراميل التي تخرج من الآبار، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرة المنتجين على شحن و نقل هذه البراميل بأمان، وتكلفة وصولها، والوقت الذي تستغرقه حتى تبلغ موانئ الدول المستهلكة. فبين إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب، والأضرار التي لحقت ببعض منشآت الطاقة الخليجية، دخلت أسواق النفط مرحلة أصبح فيها «سعر البرميل عند الوصول» أكثر أهمية من سعره عند منبع الإنتاج.

ويبدو ان وصول أسعار النفط الي أعلى من مستوياتها الطبيعية، بعدما تجاوز خام برنت حاجز ١٠٥ دولار للبرميل. ولا يعود ذلك إلى نقص الإنتاج وحده، بل إلى محدودية الكميات القابلة للتصدير بصورة منتظمة وآمنة. فجزء من إمدادات الشرق الأوسط تأثر بالقيود المفروضة على الملاحة عبر هرمز، وجزء آخر واجه صعوبات نتيجة استهداف الحوثيين للبنية التحتية النفطية السعودية وتهديد الموانئ والسفن في البحر الأحمر، بينما لا تزال بعض دول الخليج تنفذ إصلاحات لمنشآت وخطوط ومرافق تضررت من الضربات الإيرانية.

وفي خصام تلك الاضطرابات، تراوحت الكثير من التقديرات في النقص أو التعطل الفعلي في سلاسل الإمدادات المتاحة للأسواق حيث وصل معدل النقص الي 8.5 مليون برميل يوميًا، تركز معظمها في دول أوبك المطلة على الخليج وبحر العرب. لكن هذه الفجوة بدأت تتراجع مع استعادة جزء من حركة الناقلات، وإعادة تشغيل خط شرق–غرب السعودي والتحميل من ميناء ينبع، واستخدام ترتيبات النقل من سفينة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن عودة الكميات لا تعني عودة السوق إلى طبيعتها؛ لأن تكاليف نقلها وتأمينها ما زالت مكلفه بكثير.

ولقد أضافت الحرب الأمريكية على إيران عنصرًا جديدًا إلى تسعير النفط. ففي السابق كان السعر يُبنى أساسًا على جودة الخام، وحجم العرض والطلب، ومستوى المخزونات وسعر الدولار. أما اليوم، فقد أصبحت المعادلة تشمل تسهيلات الشحن وأجرة الناقلة، وقسط التأمين ضد مخاطر الحرب، وتكلفة الحماية البحرية، وطول المسار البديل، وفترة انتظار السفن، واحتمال تعرض الشحنة للاحتجاز أو الإصابة.

وهناك الكثر من  التقديرات السوقية إلى أن تكلفة شحن النفط من بعض مناطق الخليج إلى شرق آسيا أضافت نحو ٣٠ دولارًا للبرميل، بينما وصلت تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر في بعض الرحلات إلى ما يقارب ربع قيمة الخام. وقد ترتفع التكلفة الكلية بين منبع الإنتاج الي ميناء المستهلك إلى 40% من قيمة البرميل، وربما تقترب من 50% في الحالات شديدة الخطورة التي تشمل تغيير المسارات أو انتظار التصاريح أو النقل بين عدة سفن. ولذلك قد يُباع الخام بسعر مخفض عند ميناء التحميل، ثم يصل إلى المستهلك بتكلفة مرتفعة.

هذه التطورات دفعت بعض الدول المنتجة والمتضررة من اضطرابات هرمز إلى تقديم خصومات كبيرة من أجل المحافظة على تدفق صادراتها والوفاء بالتزاماتها الاقتصادية. وقد قدم العراق، على سبيل المثال، خصومات وصلت رسميًا في بعض شحنات أكتوبر إلى نحو 34.5–37 دولارًا للبرميل مقارنة بالمؤشرات المرجعية، بعد أن بلغت الخصومات في صفقات سابقة ما بين 15 و27 دولارًا. وقد تقترب التخفيضات الفعلية من 50 دولارًا في الصفقات الاستثنائية عند إضافة تحمل البائع جانبًا من تكاليف النقل والتأمين، لكن ذلك لا يمثل تسعيرًا عامًا لكل صادرات إيران والعراق والكويت.

ويتضح التضارب في سياسة البيع الي مفارقات واضحة فمثلا قد يكون البرميل الخليجي رخيصًا عند التحميل، لكنه يصبح غاليًا عند الوصول. والمنتج يقبل بسعر أقل حتى لا تتراكم المخزونات وتتوقف الحقول، بينما يواجه المستورد تكاليف إضافية للحصول على ناقلة وتأمين الشحنة وضمان عبورها ، وفي الوقت نفسه، يظهر التنافس المتزايد من المنتجين الأفارقة. فالسنغال أصبحت من المصادر الصاعدة بعد بدء إنتاجها النفطي، بينما تحاول دول مثل أنجولا وغينيا الاستوائية والكونغو والصومال التي يدعم استثمارها التركي الي زيادة حضورها في السوق، في حين تبرز موزمبيق بصورة أكبر في مجال الغاز الطبيعي المسال. صحيح أن أنجولا وغينيا الاستوائية ليستا من المنتجين الجدد تاريخيًا، لكن الأزمة الحالية أعادت منحهما أهمية باعتبارهما موردين خارج الممرات الخليجية المضطربة.

وتستفيد هذه الدول من موقعها على المحيط الأطلسي، حيث تستطيع توجيه صادراتها إلى أوروبا وآسيا دون المرور بهرمز أو باب المندب. وأصبحت بعض الدول الصناعية تفاوض المنتجين الأفارقة على عقود طويلة أو مرنة، حتى إذا كان سعر الخام مختلفًا عن برنت، لأن انخفاض مخاطر الشحن والتأمين قد يجعل التكلفة النهائية أكثر تنافسية.

ومع اقتراب الشتاء، تتحول أزمة النفط إلى سباق على البراميل المتاحة، فقد استخدمت الولايات المتحدة ودول أخرى أجزاء كبيرة من احتياطياتها الطارئة، وأعلنت واشنطن إتاحة ما يصل إلى 40 مليون برميل إضافية بنظام الإقراض، بينما تواجه الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند والاتحاد الأوروبي ضرورة إعادة بناء المخزونات وتأمين احتياجات التدفئة والصناعة والنقل.
وهكذا، لم يعد السؤال: بكم يُباع برميل النفط؟ بل: بكم يصل، ومتى يصل، وهل يصل أصلًا؟ إن استمرار اضطراب هرمز وباب المندب سيجعل الشحن والتأمين شريكين أساسيين في صناعة السعر، وسيمنح الدول التي تمتلك موانئ آمنة وخطوط أنابيب بديلة ومخزونات استراتيجية قوة متزايدة في خريطة الطاقة العالمية بينما يبقي السوال المحير ما هو الحل الأمثل في بدائل لنقل البرميل بعيدا عن الملاحه النفطية وذهاب الي النقل الأرضي الامن عبر الخطوط المؤمنة !!! ..والي تكمله قادمة




تم نسخ الرابط