د جمال القليوبي يكتب:ازمة نقص الديزل تضرب أسواق النفط
تدخل أسواق النفط مرحلة تتجاوز كل الأزمات التاريخية ولكن تعدت ذلك من توافر النفط الخام إلى أزمة صعوبة القدرة على تحويله إلى وقود ونقله إلى المستهلك. فقد تتحسن الإمدادات النفطية من وقت الي آخر ، بينما تظل المصافي وطرق الشحن عاجزة عن توفير الكميات المطلوبة من الديزل. وهنا يصبح السولار محورًا للاضطراب الاقتصادي، لأن نقصه يطال الصناعة والزراعة والنقل والغذاء، وينقل تداعيات الحروب من منشآت الطاقة إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وقبل تلك الأزمة الطاحنه لشح الديزل في الأسواق العالمية ، كان الطلب العالمي على الجازولين والديزل يدور حول ٢٩ مليون برميل يوميًا، مقتربًا من ٣٠ مليونًا، بينما بلغ تشغيل المصافي عالميًا نحو ٨٣–٨٥ مليون برميل يوميًا،. ويجب التمييز بين التشغيل الفعلي والطاقة التصميمية للمصافي، وبين الطلب على الديزل وإجمالي المنتجات النفطية. وهذه الأرقام تعكس ضخامة الاعتماد العالمي على وقود يصعب استبداله سريعًا.
وقد أعادت استعادة الصادرات السعودية بعض الهدوء إلى اسواق الخام. ووفق بيانات نقلتها الصحف حديثا، حيث بلغت صادرات الخام السعودية نحو ٦٫٦ مليون برميل يوميًا في سبتمبر، بينما استعادت صادرات الخام والمكثفات الخليجية نحو ٩١٪ من مستويات ما قبل الحرب. لكن صادرات المنتجات المكررة ظلت عند نحو ٦٠٪، بما يكشف أن تعافي الخام أسرع من تعافي الوقود الجاهز للاستهلاك.
وفي تطور جديد بتاريخ ١٢ أكتوبر، أعلن وزير الطاقة السعودي بحث زيادة قدرة تصدير الخام عبر خطوط الأنابيب إلى نحو ١٠ ملايين برميل يوميًا، من خلال تطوير شبكة شرق–غرب وتحويل خط غاز مؤقتًا لنقل النفط. ويعزز ذلك مرونة الإمدادات، لكنه يظل توسعًا في قدرة النقل، ولا يعني أن هذه الكميات تُصدَّر فعليًا الآن أو أنها ستتحول تلقائيًا إلى ديزل.
وتظل مخاطر هرمز وباب المندب مؤثرة في السوق؛ فتعطل الملاحة وارتفاع التأمين والشحن وطول الرحلات قد يحول وفرة الخام في مكان إلى نقص وقود في مكان آخر. كما تدفع هذه المخاطر المشترين إلى التحوط، وتنويع الموردين، وتشديد شروط العقود طويلة الأجل، وتكوين مخزونات إضافية، مما يزيد الضغط على الكميات المتاحة للتجارة.
وفي الولايات المتحدة، كشفت الأزمة حدود الاعتماد على زيادة تشغيل المصافي وحدها. فقد أفادت وكالة الطاقة بأن المصافي الأمريكية تعمل عند أعلى مستوياتها منذ ٢٨ عامًا، مع صعوبة استيعاب مزيد من الخام. وهنا تظهر محدودية الإفراج عن الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، الذي يخزن أساسًا النفط الخام؛ إذ لا يعالج ذلك مباشرة نقص الديزل عندما يكون الاختناق في وحدات التكرير أو نقل المنتجات.
ولهذا ضغطت الإدارة الأمريكية على فرنسا وألمانيا للإفراج عن مخزونات الديزل، ولوحت بتقييد الصادرات الأمريكية، وفق تقرير رويترز في أول أكتوبر. ثم أعلنت فرنسا الإفراج عن ١٠ ملايين برميل من الديزل. ويعكس ذلك انتقال إدارة الأزمة من زيادة إمدادات الخام إلى توفير المنتجات نفسها، مع ضرورة التمييز بين التهديد بمنع التصدير وتنفيذه فعليًا.
وفي المقابل، أعلن ترامب اتفاقًا لتوفير أكثر من ٣٠٠ ألف طن من الديزل الروسي فورًا للأسواق الأمريكية والعالمية، مع شحنات لاحقة وتخفيف مؤقت للعقوبات الأمريكية. وأعلنت موسكو في ١٢ أكتوبر أنها تستهدف صادرات شهرية تصل إلى ٣–٣٫٥ ملايين طن بنهاية العام. غير أن هذه مستهدفات مرهونة بقدرة المصافي على التعافي وتلبية الاحتياجات المحلية، وليست ضمانًا لتدفقات منتظمة.
ويرتبط هذا المسار بمحاولات وقف استهداف منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية. لكن إعلان ترامب عن اتفاق لوقف الهجمات لا يكفي لإثبات استقراره ميدانيًا؛ فقد ظلت استمراريته محل شك. كذلك لا يعني تخفيف العقوبات الأمريكية تلقائيًا استئناف واردات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا المباشرة من الديزل الروسي، وهو أمر يحتاج إلى قرارات أوروبية وبيانات شحن مؤكدة.
ولا يمكن إعلان انتهاء أزمة الخام تمامًا؛ فالتعافي متفاوت، ومخاطر الشحن مستمرة. كما لا تتوافر في المصادر التي جرت مراجعتها أدلة كافية لتأكيد عودة تدفقات إيرانية كبيرة إلى البلقان وباكستان وتركيا، أو أن معظم المصافي الخليجية خرجت من الخدمة، أو أن المعروض العالمي لا يغطي سوى ٥٠٪ من الطلب. والأدق أن الأزمة تجمع بين اضطراب الإمدادات والتكرير والتجارة، بدرجات تختلف بين المناطق.
فاستهداف المصافي وخطوط تغذيتها وخزاناتها ومرافق الكهرباء والموانئ قد يعطل إنتاج الوقود حتى مع توافر النفط. كما أن إصلاح وحدات التكسير الهيدروجيني وإزالة الكبريت يحتاج إلى معدات وخبرات ووقت. لذلك لا تكفي زيادة ضخ الخام لمعالجة نقص المنتجات، ويصبح تأمين المنشآت وإعادتها إلى التشغيل المنتظم عنصرًا حاسمًا.
ويمثل الديزل دينامو الصناعة والاقتصاد؛ فهو يحرك الشاحنات والمعدات الزراعية وآلات الإنشاء والتعدين، ويخدم عمليات إنتاج وتوزيع واسعة. واستمرار نقصه يرفع تكاليف المعيشة والغذاء والنقل، ويمتد إلى الأسمدة والبتروكيماويات عبر التشغيل والخدمات اللوجستية، إلى جانب أثر الغاز والمواد الأولية في هذه الصناعات. وكل زيادة في تكلفة نقل المحاصيل والسلع تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك.
وقد تتحول الأزمة الممتدة إلى ضغط على الأمن الاجتماعي، خصوصًا في الدول كثيفة الاستيراد بأوروبا وآسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فغلاء الوقود والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، وتعطل بعض الأنشطة، قد تزيد التوتر في الشارع وتضغط على الموازنات العامة.
وتؤثر الأزمة في أسعار النفط باتجاهين: ارتفاع قيمة الديزل يشجع المصافي السليمة على شراء الخام وزيادة التشغيل، بينما يخفض تعطل المصافي طلبها عليه، فتتراكم بعض الخامات رغم غلاء الوقود. لذلك قد يتسع الفارق بين سعر الخام والديزل، وتصبح أزمة المشتقات أشد من أزمة النفط.
وتزداد أهمية الدول التي تمتلك مصافي سليمة وطرق شحن آمنة وفائضًا للتصدير بعد تلبية استهلاكها المحلي. أما استقرار السوق فيتطلب حماية البنية التحتية، وإصلاح المصافي، وتأمين الملاحة، وتنويع الموردين، واستخدام المخزونات حلًا مؤقتًا؛ لأن أمن الديزل أصبح جزءًا من أمن الغذاء والصناعة واستقرار المجتمعات …والي تكمله قادمة