الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 الموافق 09 جمادى الأولى 1448

د جمال القليوبي يكتب: تثبيت اسعار الوقود !

91
المستقبل اليوم

لم يكن قرار تثبيت تعريفه أسعار الوقود في مصر قرارًا اقتصاديًا فقط بل اعتمد في بنوده الاضطرابات في الشرق الأوسط وايضاً  الموازنة الدقيقة بين حماية المواطن والحفاظ على قدرة الموازنة العامة على تحمل الصدمات الناتجه من أزمات الطاقة عالميا.

فكل زيادة في تكلفة استيراد سلع الوقود تضع الحكومة أمام اختيار صعب اما تمرير الزيادة إلى المستهلك وما يصاحبها من ضغوط معيشية، أو استيعابها ماليًا على حساب موارد تحتاجها الخدمات والاستثمارات وأما الزيادة المحدوده وما يعقبها ايضا من توابع زيادات الاسعار ، اي ان اي تحريك ولو طفيف من قبل لجنه تسعيره الوقود الحكومية ينعكس ذلك علي المزاج العام للشارع والمواطن المصري وكذلك صعوبه السيطره علي توابع الاسعار .

وتوضح حركة الأسواق حجم هذا التحدي؛ فقد لامس خام برنت مستوى ١١٠ دولارات للبرميل يوم ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦، وأغلق عند ١٠٩٫٨٦ دولار، وفق رويترز. وهي قفزة تعكس مخاوف الإمدادات مع تصاعد التوترات الإقليمية، لكنها لا تعني أن السعر ثابت عند هذا المستوى أو أن جميع الشحنات تُشترى بهذا السعر ،
وبينما تزيد الاعتداءات على السفن والمنشآت النفطية من تعقيد المشهد. فان اضطراب الملاحة في هرمز، ومخاطر الهجمات الحوثية على السعودية ومسارات البحر الأحمر، يؤثران في انتظام وصول الشحنات وتكلفة تأمينها.

وفي هذه الظروف، تبرز المخزونات الاستراتيجية بوصفها أداة لشراء الوقت وتخفيف نقص المعروض، وفي ١٥ أكتوبر طبقا لتقرير عن وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي الإفراجات سيتجاوز التعهد الأصلي البالغ ٤٠٠ مليون برميل، مع تسريع طرح الكميات المتبقية. غير أن المخزون محدود، ولا يعوض استمرار تعطل الإنتاج أو الملاحة إلى أجل غير معلوم.

ولكن في مصر ، جاء قرار لجنة التسعير التلقائي في ١٥ أكتوبر بالإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تغيير، بعد مراجعة سعر الصرف وبرنت خلال يوليو–سبتمبر. وتداولت التغطيات استمرار التثبيت حتى نهاية ديسمبر، بينما اقتصر نص البيان الرسمي المنشور على إعلان عدم تعديل الأسعار. وهذه دقة ضرورية عند تقييم نطاق القرار والتزاماته اقتصاديًا واجتماعيًا،حيث  يمنح التثبيت الأسر مساحة لالتقاط الأنفاس؛ فالسولار يدخل في نقل الغذاء وتشغيل الأنشطة الزراعية والصناعية، والبنزين يؤثر في الانتقال والخدمات. وقد تنتقل زيادة الوقود إلى الأسعار بسرعة، بينما يتأخر انخفاضها عندما تهدأ التكلفة. لذلك يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة لاحتواء انتقال الصدمة الخارجية إلى معيشة المواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل. ويظل نجاحه مرتبطًا برقابة الأسواق وتعريفات النقل ومواجهة الزيادات غير المبررة في مختلف المحافظات.

لكن الحماية لها تكلفة. فقد أُعلن إعداد موازنة ٢٠٢٦/٢٠٢٧ على افتراض سعر برميل الـنفط عند ٧٥ دولارًا للبرميل ،وعند المقارنة بسعر البرميل الحالي  ١١٠ دولارات، نجد ان الفارق  يصل الي ٣٥ دولارًا، أي نحو ٤٧٪. ومع ذلك، لا تتحول هذه النسبة آليًا إلى زيادة مماثلة في فاتورة الطاقة ،لأن سلة المشتريات تضم خامًا ومنتجات وغازًا بعقود ومواعيد وصيغ تسعير مختلفة، وللتوضيح التفصيلي ، إذا افترضنا فاتورة شهرية من الاستيراد قدرها ٢٫٢ مليار دولار محسوبة بالكامل عند ٧٥ دولارًا، وثبات الكميات وارتباطها الكامل بالخام، فإن ارتفاعه إلى ١١٠ دولارات يضيف نحو مليار دولار شهريًا. هذا سيناريو افتراضي، وليس تقديرًا رسميًا للعجز؛ إذ يلزم التحقق من أساس الفاتورة، وفصل الواردات عن مشتريات حصة الشركاء الأجانب، وحيث انً متوسط فاتورة الاستيراد لسلع الوقود الشهرية يصل متوسطها الي حوالي ٢,٢ مليار دولار (هذا المبلغ لا يشمل شراء حصة الشركاء الأجانب في الانتاج ) وبالتالي يزيد هدا الرقم عن ذلك وقد يصل مجمل الي ٣ مليار دولارا ، وبالتالي فان مايزيد عن ٧٥ دولارا تتكفل الحكومة بإعداد سيولة ماليه لدفع فرق السعر من فاتورة الاستيراد وكذلك فرق السعر في حصة الشركاء الأجانب المحليين ويبلغ الفرق حوالي مليار دولارا شهريا (اي ان كل دولار يزيد فوق ال ٧٥ دولارا لتسعيرة الموازية يكلف الحكومة ٢,٥ مليار جنيه عجزا في الموازنة )

ويبدو ان الحكومة ارادت ان تمتص التخوف الذي ينتاب المواطن المصري محدود الدخل والمتوسط من جراء ارتفاع اسعار الوقود وتوابعها علي كل انواع المعيشه والخدمات العامه والاسعار الجنونيه في السلع واستدركت كذلك منع الفوضي التي يقوم بيها معدومي الضماير من رفع اسعار السلع وغلاء الخدمات

وقد تراهن الحكومة على تهدئة قريبة تسمح بانحسار علاوة المخاطر. إلا أن عودة النفط إلى ٨٠ دولارًا خلال شهر أو شهرين تظل سيناريو مشروطًا بأمن الملاحة واستعادة الإمدادات، ولا يصح اعتبار الوساطات أو الانتخابات الأمريكية ضمانًا لتحققه. بل حذرت وكالة الطاقة الدولية، وفق تقرير رويترز في ١٤ أكتوبر، من احتمال امتداد نقص الديزل إلى ٢٠٢٧، ما يستدعي الاستعداد لاستمرار الضغط.

ومن هنا، أقترح من خلال مقالي هذا دراسة برنامج مرحلي لبناء مخزون استراتيجي يستهدف  تخزين ١٨٠ مليون برميل من الخام والمنتجات وفق احتياجات مصر وقدراتنا التكريرية  ومعيار السحب. وهو هدف كبير: شراء هذه الكمية عند ٧٥ دولارًا يتطلب ١٣٫٥ مليار دولار، بينما قد تبلغ تكلفة الخزان السطحي الواحد حوالي ١٠ مليون دولار اي ان انشاء ١٨٠ خزام يتطلب مليار و٨٠٠ مليون دولار . لذلك يجب تحديده بأيام تغطية الواردات، وتنفيذه تدريجيًا عند أسعار مناسبة، مع تنويع الموردين والتحوط المالي وزيادة الإنتاج المحلي.

تثبيت الوقود قرار مفهوم لحماية المعيشة، لكن استدامته تتطلب تحويل فترة التثبيت إلى فرصة لبناء احتياطيات وقدرات إنتاج وتعاقدات أكثر مرونة؛ حتى تستطيع الدولة حماية المواطن بأدوات مخططة، بدلًا من مواجهة كل أزمة بإنفاق طارئ جديد …والي تكمله قادمة




تم نسخ الرابط