الأربعاء 28 أكتوبر 2026 الموافق 17 جمادى الأولى 1448

د جمال القليوبي يكتب:امدادات الطاقة تضرب الاقتصاديات العالمية…

83
المستقبل اليوم

لم تعد ازمة ارتفاع أسعار النفط والغاز موثره في الاقتصاد العالمي حيث انها أمرتكم المره الاولي بل عده مرات ، ولكن بل أصبحت كل اقتصاديات العالم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تأمين احتياجاتها من الطاقة، في ظل اضطرابات جيوسياسية وعسكرية متلاحقة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتراجع هوامش الأمان في المخزونات الاستراتيجية، واقتراب فصل الشتاء الذي ترتفع خلاله معدلات استهلاك الغاز والوقود في الدول الصناعية الكبرى. وبين المخاوف من استمرار اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، والتوترات العسكرية المحيطة بالمنشآت النفطية الخليجية ودخول الحوثيين في استهداف اكبر دولة بتروليه في الخليج ، بات السؤال الأكثر إلحاحًا إلا وهو هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل أزمة طويلة في إمدادات الطاقة دون الدخول في موجة جديدة من التضخم والتباطؤ الاقتصادي؟

وهنا قد تتصاعد المخاوف بشأن قدرة المخزونات الاستراتيجية من النفط والمنتجات البترولية على امتصاص الصدمات المتتالية، خاصة أن السحب المستمر من الاحتياطيات لا يمثل حلًا دائمًا، وإنما إجراءً استثنائيًا لتخفيف حدة نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، وتبرز الولايات المتحدة في قلب هذه المعادلة، بعدما شهد احتياطيها البترولي الاستراتيجي عمليات سحب واسعة خلال السنوات الماضية، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، تصبح أسعار البنزين والديزل والتضخم من الملفات الاقتصادية الحساسة للإدارة الأمريكية حيث تواجه السياسة الأمريكية معادلة معقدة؛ فارتفاع أسعار النفط يمنح شركات إنتاج الخام، وخاصة النفط الصخري، فرصًا لتحقيق إيرادات وأرباح أكبر، بينما يفرض في المقابل أعباء إضافية على المستهلك الأمريكي وقطاعات النقل والصناعة. وهنا يظهر التناقض بين مصالح المنتجين ومتطلبات استقرار الأسعار محليًا ولكن يبدو انً البيت الأبيض ركز علي التوازن بين ما يرضي المواطنيين وما يرضي شركات النفط الصخري الممول للانتخابات والداعمة لبقاء الرئيس ترامب.


تبدو الأسواق الأوروبية أكثر حساسية لأي اضطراب في صادرات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، وخاصة من قطر، أحد أهم الموردين للأسواق العالمية، مع أهمية الإمارات في تجارة الطاقة الإقليمية والدولية. فإذا استمر توقف أو تعطل الإمدادات الخليجية، فإن المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة ستزداد حدة، وقد تدفع أسعار الغاز الأوروبية إلى مستويات استثنائية مثلما حدث الان ، بما يهدد الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها الأسمدة والحديد والصلب والبتروكيماويات. ولا تتوقف المشكلة عند ارتفاع سعر المليون وحدة حرارية بريطانية، بل تمتد إلى قدرة الحكومات الأوروبية على تمويل مشتريات الغاز وتأمين عقود طويلة الأجل دون تحميل الموازنات العامة أعباء إضافية.

وفي ظل هذه الضغوط، قد تتجدد الدعوات داخل أوروبا لإعادة النظر في استيراد بعض إمدادات الطاقة الروسية، سواء الغاز عبر خطوط الأنابيب أو المنتجات البترولية، وعلى رأسها الديزل. غير أن العودة إلى تلك الإمدادات تظل مرتبطة بقيود سياسية وقانونية وعقوبات قائمة، وليست قرارًا سياديا منفردا .

وتزداد خطورة أزمة الطاقة عندما تمتد العمليات العسكرية إلى منشآت الإنتاج والتخزين والشحن في المملكة العربية السعودية، باعتبارها من أهم الدول المؤثرة في توازن سوق النفط العالمي. وتثير التقارير المتداولة بشأن استهداف الحوثيين منشآت مرتبطة برأس تنورة وينبع مخاوف من تراجع قدرة المملكة على المحافظة على مستويات التصدير المطلوبة، خصوصًا إذا امتدت الأضرار إلى محطات الضخ والتخزين والموانئ ، وتشير تقديرات متداولة إلى احتمال تراجع بعض تدفقات النفط السعودي من نحو 7.8 مليون برميل يوميًا إلى 5.5 مليون برميل،

ولذا فان انخفاض الإمدادات بهذا الحجم، فإن الأسواق قد تواجه فقدان نحو 2.3 مليون برميل يوميًا من التدفقات المعنية، وهو حجم مؤثر لا تستطيع كل الدول المنتجة تعويضه سريعًا. كما أن تصاعد المواجهات العسكرية حول جزر باب المندب قد يرفع مخاطر استهداف السفن والمنشآت النفطية، ويضاعف تكاليف التأمين والشحن، حتى دون توقف كامل للإنتاج.

يبقى مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح استقرار أسواق الطاقة، نظرًا لمرور كميات ضخمة من النفط والغاز المسال عبره ولكن الأنباء الوارده تفيد عن تعطل الملاحة واحتجاز مئات السفن، بينها تقديرات متداولة تتجاوز 495 ناقلة وسفينة تجارية، قلقًا متزايدًا لدى المستوردين، خصوصًا مع الحديث عن استهداف ناقلة داخل الممر الملاحي والحاجة إلى سحبها وتأمين مسار العبور.

وإذا تأكد استمرار الإغلاق الكامل، فإن الأزمة لن تقتصر على النفط الخام، بل ستمتد إلى الغاز المسال والمنتجات البترولية والبتروكيماويات والأسمدة، بما يهدد سلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي والتجارة العالمية. وقد يصبح عامل الزمن أكثر خطورة من حجم النقص نفسه؛ فكل يوم إضافي من التعطل يرفع تكلفة النقل والتأمين والتخزين، ويزيد الضغوط على الأسعار النهائية.

وعلي الناحيه الاخري حيث تراقب بورصات الطاقة العالمية التطورات السياسية الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها عوامل مؤثرة في احتمالات التصعيد العسكري مع إيران وخاصه تلك التصريحات المتعلقة بإمكانية توجيه ضربات جديدة داخل الأراضي الإيرانية إلى رفع مستوى المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا عندما ترتبط بملفات انتخابية داخلية وحسابات الأمن الإقليمي. وتنعكس هذه الأجواء على تعاقدات النفط والغاز متوسطة وطويلة الأجل، إذ تصبح الشركات أكثر تحفظًا بشأن الالتزامات المستقبلية، وتطالب بعلاوات مخاطر أعلى لتغطية احتمالات تعطل الإمدادات.

في المقابل، تمثل الاتصالات والاجتماعات المطروحة بين تحالف مكة وإيران نافذة محتملة لتخفيف حدة التوتر، إذا نجحت الأطراف في التوصل إلى تفاهمات عملية بشأن أمن الملاحة ووقف استهداف المنشآت النفطية والسفن التجارية. غير أن التفاؤل يظل مشوبًا بالحذر؛ فنجاح أي اتفاق يتوقف على طبيعة الالتزامات وآليات تنفيذها وضمانات الالتزام بها، وقد تحتاج المشاورات إلى وقت إضافي قبل ظهور نتائج ملموسة ، وتبقى الأسواق أمام ثلاثة احتمالات: اتفاق يعيد تدريجيًا تدفقات الطاقة ويخفض علاوات المخاطر، أو استمرار المفاوضات دون اختراق حاسم بما يبقي الأسعار متقلبة، أو فشل التفاهمات واتساع المواجهة العسكرية بما يفرض صدمة جديدة على الاقتصاد العالمي.

وهكذا لم تعد أزمة الطاقة مجرد صراع على سعر البرميل، وإنما أصبحت اختبارًا لأمن الاقتصاد العالمي واستقرار الصناعات وسلاسل الغذاء والنقل والتجارة. وإذا استمرت اضطرابات الإمدادات بالتزامن مع تآكل المخزونات واقتراب ذروة الطلب الشتوي، فإن العالم قد يواجه مرحلة أكثر صعوبة، يكون فيها تأمين برميل النفط وشحنة الغاز أهم من السعر الذي يدفع للحصول عليهما …والي تكمله قادمه




تم نسخ الرابط