الخميس 05 نوفمبر 2026 الموافق 25 جمادى الأولى 1448

هل يتجه كريم بدوي لاختيار القيادات الكبرى من خارج القطاع؟

114
المستقبل اليوم

لم يتوقف النقاش حول تعيين المهندس عمرو إسماعيل الشرقاوي رئيسًا لهيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية عند حدود الترحيب أو التحفظ على اسم الرئيس الجديد، بل امتد إلى سؤال أوسع: هل يمثل اختياره من شركة بيكر هيوز حالة مرتبطة باحتياجات هيئة الثروة المعدنية، أم بداية لاتجاه يتوسع فيه المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، في الاستعانة بقيادات من خارج مؤسسات القطاع؟

السؤال يفرض نفسه مع تباين المواقف بين مؤيد يرى في الاستعانة بخبرات الشركات العالمية فرصة لتجديد الإدارة، ومعارض يخشى أن تكون هذه الخطوة على حساب قيادات أمضت سنوات طويلة داخل القطاع، واكتسبت خبراتها وتنتظر فرصتها في تحمل المسؤولية.

والمقصود بالخارج هنا هو خارج الهيكل الحكومي لقطاع البترول وشركاته، فالشرقاوي قادم من صناعة البترول والغاز، لكن عبر مسار مهني في شركة عالمية تختلف طبيعة إدارتها وآليات عملها عن المؤسسات التي سيتولى قيادة إحداها.

حتى الآن، لا يكفي تعيين واحد للقول إن الوزير قرر استقدام جميع القيادات الكبرى من خارج القطاع. لكن القرار يفتح باب التساؤل حول نطاق هذا الاختيار: هل تظل التجربة في حدود هيئة الثروة المعدنية، أم تمتد مستقبلًا إلى رئاسة شركات وهيئات وكيانات كبرى؟

وإذا اتسع هذا الاتجاه، فسيكون القطاع أمام تغير في مسار اختيار قياداته، تصبح معه الخبرة المكتسبة في الشركات العالمية أحد مسارات الوصول إلى المواقع العليا، إلى جانب التدرج داخل المؤسسات الحكومية.

وهنا تكمن حساسية النقاش؛ فالقضية تتعلق بما يفهمه آلاف العاملين والقيادات من القرار بشأن مستقبلهم المهني: هل ما زالت أمامهم فرصة للصعود؟ وما المهارات والنتائج التي يتعين عليهم تقديمها للوصول إلى القيادة؟

المؤيدون ينظرون إلى الأمر من زاوية توسيع قاعدة الاختيار، ويرون أن القطاع يستطيع الاستفادة من خبرات أبنائه ومن خبرات المصريين الذين تولوا مسؤوليات في شركات عالمية.

وبحسب هذا الاتجاه، فإن إدارة ملفات الاستثمار والتكنولوجيا والشراكات الدولية قد تستفيد من قيادة تعرف طريقة تفكير الشركات والمستثمرين، وتملك خبرة في العمل وفق أهداف محددة ونتائج قابلة للقياس.

ويستند هذا الرأي إلى أن المؤسسات تحتاج أحيانًا إلى رؤية جديدة تراجع الإجراءات المعتادة، وتطرح أسئلة ربما لم تعد تُطرح، وتدفع إلى تغيير أساليب استقرت لسنوات.

لكن قوة هذا المنطق تظل مرتبطة بالنتيجة: ماذا ستضيف القيادة القادمة؟ وكيف ستستفيد من المؤسسة والعاملين بها؟ وهل تستطيع ترجمة خبرتها إلى تحسن واضح في الأداء؟

في المقابل، يتحفظ المعارضون على أن يتحول الاستعانة بقيادات من الخارج إلى قاعدة، بما قد يبعث برسالة محبطة إلى الكفاءات الموجودة داخل القطاع.

فهناك قيادات تعرف تفاصيل العمل، وتعاملت مع أزمات وتحديات، وتحملت مسؤوليات تنفيذية، وترى أن خبراتها تستحق التقييم والمنافسة على المناصب الكبرى.

ومن حق هؤلاء أن يسألوا: إذا كانت المؤسسة تمتلك الكفاءات، فلماذا يقع الاختيار من خارجها؟ وإذا كانت هناك مهارات تنقص قياداتها، فما الذي جرى لإعدادها وتأهيلها؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة كلما توسع الحديث عن إعداد الصف الثاني وبناء كوادر للمستقبل؛ إذ يحتاج العاملون إلى رؤية صلة واضحة بين برامج التأهيل وفرص تولي المسؤولية.

لكن وجود النائبين يمنحان القرار قراءة أخرى، فوجود المهندسين أحمد سعد فتوح وإيهاب أنور حسن نائبين لرئيس الهيئة، بما لديهما من خبرة داخل القطاع ومشاركة في فريق تطوير الثروة المعدنية، يمنح التشكيل الجديد بعدًا يستحق الانتباه.

فالتشكيل يجمع رئيسًا قادمًا من شركة عالمية ونائبين يعرفان ملفات التطوير من الداخل، بما يتيح فرصة لتكامل الخبرات واستمرار العمل على ما سبق إعداده.

وقد يكون هذا الجمع هو أهم عناصر التجربة: خبرة دولية في القيادة، ومعرفة مؤسسية وفنية بالملفات. لكن تحقيق الاستفادة منه يحتاج إلى صلاحيات واضحة، ومشاركة فعلية في القرار، وقدرة على إدارة الاختلاف داخل الفريق.

ومن ثم، فإن التشكيل نفسه لا يقدم دليلًا على استبعاد أبناء القطاع؛ لكنه يضع أمامهم نموذجًا جديدًا لاختيار القيادة، ستكون نتائجه محل متابعة.

غير أن السؤال التالي: ما الذي سيحسم اتجاه الوزير؟
وغالباً ستكون التعيينات المقبلة أقدر من أي توقعات على الإجابة. فإذا تكرر اختيار قيادات من الشركات العالمية لمواقع كبرى، فسيصبح من الممكن الحديث عن توجه إداري أوسع. أما إذا ظل الأمر محدودًا بحالات بعينها، فستكون القراءة الأقرب أنه اختيار يرتبط بطبيعة كل موقع واحتياجاته.

وفي الحالتين، تظل معايير الاختيار هي القضية الأساسية: الخبرة المناسبة، والقدرة على القيادة، والنزاهة، والإنجاز، مع إتاحة فرصة عادلة للكفاءات داخل القطاع وخارجه.

أما تجربة الشرقاوي، فتبدأ الآن تحت أنظار المؤيدين والمعارضين معًا. نجاحها قد يشجع على تكرارها، وتعثرها قد يعزز تحفظات الرافضين، ولهذا تتجاوز أهميتها حدود اسم الرئيس الجديد إلى أثرها المحتمل في قرارات الاختيار التالية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل جاء الشرقاوي لقيادة مرحلة جديدة في الثروة المعدنية فقط، أم أن تعيينه أول ملامح تغيير أوسع في خريطة قيادات البترول؟

الإجابة تحتاج إلى ما ستكشفه الحركة المقبلة.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط