السبت 07 نوفمبر 2026 الموافق 27 جمادى الأولى 1448

تجربة أحمد الحلواني.. النزول من الباب العالي لأرض الواقع في بتروجاس

131
المستقبل اليوم

لسنوات، كان اسم المحاسب أحمد الحلواني يتردد قبل كل حركة قيادات، فإذا صدرت الحركة وغاب اسمه، عاد السؤال نفسه: لماذا غاب أحمد الحلواني؟ وظل السؤال يتكرر حتى جاءت لحظة لم تحتمل الانتظار، حين قرر المهندس كريم بدوي تغيير قيادة بتروجاس على الفور، كان الحلواني قد حصل على الموافقات اللازمة من قبل، فتولى رئاسة الشركة، وهكذا، جاء القرار سريعًا لرجل طال انتظاره.

واللافت في الحكاية أن الحلواني، ابن هيئة البترول، كان يعمل مساعدًا لنائب الرئيس التنفيذي للتجارة الداخلية، وفي تلك النيابة، يعرف المسؤول معنى أن يتأخر وصول سلعة يحتاجها الناس كل يوم، ويعرف أن الأرقام التي يناقشها في اجتماع صباحي قد تتحول في المساء إلى طابور أمام مستودع، والبوتاجاز من أكثر السلع التي تختصر المسافة بين مكتب المسؤول وبيت المواطن.

في الهيئة، كان الحلواني يرى السوق من أعلى، يدرس ويخطط ويناقش، وفي بتروجاس، صار عليه أن ينزل إلى الأرض، حيث تُختبر الخطط عند أول عطل، وأول ضغط على الطلب، وأول شكوى من عامل يعرف من واقع شغله ما قد يفوت الجالسين في غرفة الاجتماعات، وهذه، في تقديري، أهم نقلة في تجربته، فالرجل أمام فرصة ليختبر بنفسه الأفكار التي شارك في إعدادها، ويعرف منها ما يصمد حين يبدأ التنفيذ، وما يحتاج إلى مراجعة.

بتروجاس دولة، أقولها وأنا أقصد اتساع مسؤوليتها وتشابك مواقعها، قد يبدأ الارتباك في مستودع بالشمال، فتضطر مواقع أخرى إلى تعويضه، وقد تتوقف وحدة في الشرق، فيمتد أثرها إلى الغرب، وفي نهاية هذه الشبكة كلها هناك مواطن ينتظر أسطوانة البوتاجاز، قد لا يعرف اسم المستودع الذي خرجت منه، ولا من أعاد ترتيب التوزيع حتى تصل إليه، لكنه يعرف جيدًا معنى أن تتأخر.

وفي شركة بهذا الحجم، لفت انتباهي أن الحلواني يبدأ من العاملين، بدأت أسمع من بعضهم كلامًا طيبًا عن وجوده بينهم، وعن باب فتحه لصاحب طلب أو مظلمة، وقيمة هذا الباب ستظهر حين يجد العامل أثرًا لما قاله، وحين تصل المشكلة إلى رئيس الشركة وهي في بدايتها، قبل أن تتضخم أو تضيع بين المكاتبات، فالذين يقفون كل يوم على خطوط التعبئة وفي المستودعات يعرفون أين يتعطل العمل، وأحيانًا يعرفون كيف يعود إلى سيره قبل أن يصل التقرير إلى الإدارة.

وربما يفسر شيئًا من ذلك أن الحلواني يجمع بين تكوين المحاسب واهتمام الأديب، خبرته في الهيئة علّمته أن يقرأ الأرقام، وقراءاته وسّعت نظرته إلى الناس الذين يصنعون هذه الأرقام، والرهان هنا أن ينعكس ذلك على طريقة إدارة الشركة، وأن يجد العامل مساحة للكلام والمبادرة، خصوصًا في الأماكن التي اعتادت لسنوات أن تنتظر التعليمات من فوق.

ومن أدبيات القطاع العام التي يحسب للحلواني أنه حافظ عليها، صلته بالقيادات القديمة، لم تنقطع اتصالاته برجال سبقوه، وعرفوا مواقع الشركة وطبائعها، وعاشوا أزمات قد تختصر خبرتهم فيها على من جاء بعدهم أيامًا من البحث والتجربة، وفي هذه الصلة أيضًا شيء من الوفاء لرجال سهروا وتعبوا، ومن حقهم أن يشعروا بأن ما بنوه حاضر في ذاكرة الشركة.

في رأيي، كان اختيار أحمد الحلواني صحيحًا، أعرف لماذا كان اسمه مطروحًا، وأرى في بدايته ما يبرر الرهان عليه، أما الحكم على التجربة فيحتاج إلى وقت، وإلى أثر يراه العامل في موقعه، وتلمسه الشركة في انتظام عملها، ويشعر به المواطن حين يحتاج إلى أسطوانة البوتاجاز فيجدها، يومها سيكون السؤال الذي تردد سنوات: لماذا غاب أحمد الحلواني؟، أقل أهمية من سؤال يستحق أن نتابعه الآن: ماذا تغيّر في «بتروجاس» بعدما جاء؟

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط