الأحد 31 أغسطس 2025 الموافق 08 ربيع الأول 1447

كلمتين ونص…أيها الراقدون تحت التراب

95
المستقبل اليوم

يا نجوم اشهدي إني علي الذكري أمين …يا غيوم أرسلي الدمع مع الباكي الحزين .

 

وجاءت كورونا ، وظننا أنها لا شيئ ، وقولنا بأفواهنا : وباءً يضرب الأرض ويميت البشر ، غير موقنين ولا مؤمنين بأنه جند من جنود الله ، جاء ليلقننا الدرس ويُعيدنا إلى صوابنا ، فتكاسلنا حتى ظن كلاً منا أنه بعيد عن مرماه ، فلما خطفت منه العزيز الغالي ، قال صدق من قال : إنه وباء .

 

لم تكن أمي تدرك أنها سترحل متأثرة بهذا الوباء اللعين ، فقد حجز لها زوج شقيقتي موعداً للتطعيم ، لكنها خافت من تلقي جرعة العلاج ، وعندما سألتها عن السبب ، قالت : دا بيمرض يا ولدي ، رددت: أنا أخذته يا أمي ، خدي التطعيم دا كويس ، لكن لا أحد يهرب من قدره ، ولن يفلت أحد من يومه ، تكاسلت أمي وتباطأت ورفضت ، حتى نقول بعد وفاتها : ماتت متأثرةً بكورونا 

 

#للاشتـــراك_فـــي_قنـــاة_المستقبـــل_البتــــرولي_علي_اليوتيـوب

https://www.youtube.com/channel/UCX0_dxgnzuKWZhfjljA8V6A

حكمة الله تكمن هنا ، القدر يدفعك للشيئ ونقيضه برضا منك ، حتى يوجد الأسباب لعباده ، فيخفف عنهم الألم والعذاب ، يجعلهم يسوقون الأسباب فتستريح نفوسهم ، وكأن المرض هو الذي أمات أمي ، حتماً كانت سترحل في ذلك اليوم 27 أكتوبر من عام 2021 ، لكن كان لابد وأن يكون هناك حديث ، ولابد أن نضرب كفاً على كف ونقول : خافت تاخد اللقاح عشان ما تتعبش فماتت به ، آه لو كنت أنا أو كان غيري يدرك ذلك ، حتماً لم يكن لي ولا لغيري أن ندرك حكمة الله ، "فلا تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرضٍ تموت" .

 

نحن نظل بعيدين عن الفكرة نفسها حتى تصيبنا في أنفسنا أو في أعز ما فى الحياة ، وهي نفس فكرة الموت شاملةً ، فكل إنسان لديه ما يتحسبه إلا هو .

 

تخيل أن الورثة سرعان ما ينشغلون في تقسيم التركة فور تشييع الميت ، وهكذا المُغسل وحامل النعش والتُربي ، ينشغلون في تقاضي أجرتهم ، دون أن يدركوا أنهم يوماً ما محمولون على نفس النعش وسيرقدون بلا رجعة ، وسيرثهم من جمعوا المال لأجله ، كل إنسان على ظهر هذه الأرض لديه ما يتحسبه إلا الموت .

 

نحن نتحسب المال والعمل والزوجة والأبناء ، نتحسب الصراعات والمناصب والقيل والقال ، نتحسب كل ما هو جيد ورديئ ، نتحسب كل شيئ غير حقيقي ولا فائدة منه ، إلا الشيئ الحقيقي الوحيد ، وهو الموت .

 

من كان يظن أن المهندس محمد شتا رئيس أموك يموت فوراً بسبب كورونا وعمره لم يتخطى ال45 ، ومن كان يعرف أن كورونا ستكون سبباً في موت أمير الشيخ رئيس بتروسنان وهو لم يغلق عامه الخمسون ، ومن كان يصدق أن المهندس أحمد قديره الذي كان يملأ الدنيا قوةً وحيوية ، سيكون ضحية من ضحايا كورونا ؟.

 

أنا لم أصدق أن زوجة صديقي أيمن التي لم تتجاوز الأربعون قد رحلت بسبب كورونا ، فقد أبلغني بالخبر فجر أحد الأيام ، استيقظت مفزوعاً ، كيف حدث ذلك ؟، هممت بارتداء ملابسي لأذهب له حيث ترقد زوجته رقدتها الأخيرة ، سرعان ما غلبني النوم ، بعد بضع ساعات أستيقظت على حُلم أو كابوس أو رؤية ، وكأن كل ما حدث كان هكذا ، سكت غير عابئ بما حدث ، كل ما تذكرته أنني حلمت أن أيمن اتصل بي ، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم ، سرعان ما تأكدت أنها رحلت بالفعل ، وأن اتصاله كان حقيقة .

 

ثم من كان يجول بخاطره أن عشرات الشباب من الذكور والإناث ، سيكونوا ضحايا لهذا الفيروس اللعين ؟.

 

مضت الموجة الأولى ، وطالت من طالت ، وجاءت الثانية وحصدت من حصدت ، وكان نصيبي ونصيب البعض أن يقف معزياً في أم أو أب أو إخوة وأعمام وأخوال وأبناء ، فى الموجة الرابعة ، لا شك أن الجميع كانوا يستبعدون ذلك ، لم يخطر ببالهم أن دور برد سيقضي على حياة شخص عزيز ، وهكذا نحن نستبعد ذلك عن أنفسنا .

 

وإني أشهد الله واشهد حملة عرشه ، أني أؤمن بالقضاء والقدر ، حلوه ومره خيره وشره ، فالله لم يوجد شيئاً هباءا ، كل شيئ عنده بقدر ، وحينما حلَّ البلاء جئت إليك يا ربي ذليلًا أُناجي ، من لي غيرك يا ربي ينجيني ، فليتك يا الله تأذن للراقدين تحت التراب ، فيقولوا لنا كيف أن لطفك شملهم جميعاً ، وكيف أنهم بعفوك منعمون ، وكيف أنهم بغفرانك فى الجنة نائمون .

 

وإن يقيني بالله ، أن العبد إذا مات لا ينظر الله لكثرة معاصيه ، بل ينظر لضعفه وقلة حيلته .

 

فقد روي أنَّ موسى عليه السلام لما دفن أخاه هارون عليه السلام ذكر مفارقته له وظُلمة القبر، فأدركته الشفقة فبكى، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ، لو أذنت لأهل القبور أن يخبروك بلطفي بهم لأخبروك ، يا موسى ، لم أنسَهم على ظاهر الأرض أحياء مرزوقين ، أفأنساهم في باطن الأرض مقبورين؟! يا موسى، إذا مات العبد لم أنظر إلى كثرة معاصيه، ولكن أنظر إلى قلَّة حيلته، فقال موسى عليه السلام: يا ربِّ, مِن أجل ذلك سُمِّيت أرحم الراحمين .




تم نسخ الرابط