إيثيدكو وتحديات الصناعة و هشام رياض
لا يمكن الحكم على أي مسؤول أو رئيس شركة في أوقات الاستقرار والرخاء، الحكم الحقيقي يكتمل عندما تشتد التحديات، خاصة في الصناعات الثقيلة والمعقدة وصاحبة القيمة المضافة، والتي تُعد صناعة البتروكيماويات واحدة من أعقدها على الإطلاق.
ومن هذا المنطلق، يبرز اسم الكيميائي هشام رياض كأحد النماذج التي استطاعت الحفاظ على كيان صناعي عملاق،بالحكمة والصلابة والرؤية بعيدة المدى، وهو كيان إيثيدكو، أحد أعمدة صناعة البتروكيماويات في مصر، رغم حداثة عمر المشروع نسبيًا.
إيثيدكو واجهت واقعًا شديد التعقيد: صناعة عالمية تتعرض لتقلبات حادة في أسعار الطاقة والمواد الخام، التزامات تمويلية، أسواق متغيرة، ومنافسة دولية لا ترحم، نقص في إمدادات الغاز ، غير أن هناك من تعامل مع هذه التحديات برؤية استراتيجية هدفت إلى تحصين الشركة وضمان استدامتها.
ولعل مسيرة الكيميائي هشام رياض رئيس الشركة المهنية كانت إعدادًا طبيعيًا لهذه المهمة. فقد تدرج في المواقع داخل قطاع البتروكيماويات، قبل أن يصقل خبراته لسنوات طويلة في شركة بروج بأبوظبي، التابعة لمجموعة أدنوك، حيث تعامل عن قرب مع المشروعات العملاقة، وإدارة المخاطر وفق أعلى المعايير العالمية.
وعندما عاد إلى مصر، كان يدرك أن صناعة البتروكيماويات ليست مجرد نشاط صناعي، بل مشروعات استراتيجية تراهن عليها الدولة. لذلك شارك منذ اللحظة الأولى في التصميمات الأولية للمشروع، مرورًا بمراحل الإنشاء، وصولًا إلى التشغيل، ليصبح جزءًا أصيلًا من الحمض النووي للشركة، وليس مجرد رئيس مجلس إدارة.
وفي ذروة التقلبات العالمية والمحلية، برز التحدي الأهم وهو: كيفية الحفاظ على استقرار شركة بتروكيماويات ضخمة في سوق عالمي مضطرب؟
وهنا تجلت قوة هشام رياض الحقيقية؛ فلم يلجأ إلى الحلول السهلة أو قصيرة الأجل، بل أعاد ترتيب الأولويات، فعمل على:
•ضبط التكاليف دون المساس بالجودة أو سلامة التشغيل.
•الاستثمار في العنصر البشري باعتباره خط الدفاع الأول.
•تنويع مصادر العائد وعدم التركيز على منتج واحد أو سوق واحدة.
وكانت النتيجة أن تحولت إيثيدكو من شركة محاصَرة بالضغوط إلى كيان قادر على الصمود والمنافسة. ففي عام 2024، حققت الشركة 100% من خطتها الإنتاجية، بإنتاج 314 ألف طن إيثيلين و320 ألف طن بولي إيثيلين، مع مبيعات محلية قاربت 7.9 مليار جنيه، وصادرات بلغت 211 مليون دولار إلى أكثر من 35 دولة، وهو إنجاز لا يمكن فصله عن ظروف السوق العالمية آنذاك، لكن جاءت بعد ذلك تحديات نقص الغاز والتي كان لها تأثير على الصناعة بشكل عام وإيثيدكو بشكل خاص، وهنا تكمن الحكمة في العبور بالكيان لبر الآمان، وهو ما حدث بالفعل .
هذه القدرة على تحقيق التوازن بين مخاطرالتشغيل والربحية لفتت أنظار الوزارة، حيث أشاد وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي بأداء الشركة، معتبرًا ما تحقق نموذجًا للإدارة الرشيدة في قطاع شديد التعقيد. ولم يكن مستغربًا أن تصبح إيثيدكو أول شركة مصرية تصل إلى المستوى السابع في نظم سلامة العمليات، وفق تقييم شركة DNV العالمية، في تأكيد واضح على أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من أرضية التشغيل الآمنة.
ولم تتوقف قوة هشام رياض عند حماية القائم، بل امتدت إلى بناء المستقبل، من خلال قيادة توجه واضح نحو الابتكار والاستدامة، شمل:
•تطوير منتجات بولي إيثيلين جديدة ذات استخدامات متخصصة.
•الحصول على اعتماد مؤسسة SKZ الألمانية.
•اعتماد منظومة الإفصاح البيئي والبصمة الكربونية.
•بدء تنفيذ مشروع محطة طاقة شمسية بقدرة 500 ك.وات، انسجامًا مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
ورغم كثرة هذه الملفات، ظل هشام رياض مؤمنًا بأن أقوى دروع الشركة هم العاملون بها، فعمل على بناء منظومة تدريب وتأهيل مستدامة، وتعزيز ثقافة السلامة، وترسيخ الانتماء، ليضمن أن تقف إيثيدكو على أرض صلبة مهما تغيرت الظروف.
وهكذا يُنظر اليوم إلى هشام رياض باعتباره قائدًا لم يراهن على الحظ، بل على التخطيط؛ لم يساير التقلبات، بل استعد لها؛ ولم يكتفِ بالحفاظ على الشركة، بل أعاد تعريف معنى القيادة في صناعة لا تعترف إلا بالأقوياء.
وهي تجربة تؤكد أن الحفاظ على الكيانات الكبرى في زمن الاضطراب لا يحتاج إلى قرارات عنترية، بقدر ما يحتاج إلى عقل هادئ، ورؤية واضحة، وإرادة لا تنكسر .
ولا شك أن قطاع البتروكيماويات في مصر قد حظي بقيادات واعية في معظم تاريخه تدرك قيمة الصناعة، وهو ما يرجع إلى أن جُلهم من أبناء المهنة .
ولهذا يظل قطاع البتروكيماويات يغرد في مساحة مختلفة، وزاوية أخرى، ربما لا تشبه كثيرًا بقية أركان وزوايا قطاع البترول.
#المستقبل_البترولي