الأربعاء 14 يناير 2026 الموافق 25 رجب 1447

مروه عطيه تكتب عن رفاق العمر... وجوه لا تغيب وإن غابت

84
المستقبل اليوم

في مقرات العمل، لا تُقاس العلاقات بعدد السنوات فحسب، بل بما تتركه في النفس من أثر.
فهناك زملاء يمرون مرورًا عابرًا، وآخرون يستقر حضورهم في القلب حتى يصبح جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة. هؤلاء هم رفاق العمر، الذين جمعتنا بهم الأيام قبل أن تجمعنا المهام، وصنعت بيننا العِشرة قبل أن تفرضها اللوائح.
نلتقيهم كل صباح دون اتفاق مسبق، نعرف ملامح يومهم من طريقة إلقاء التحية، ونشعر بثقلهم حين يثقل علينا اليوم، وبخفّتهم حين تبتسم الأمور.
نتقاسم معهم لحظات الإرهاق الصامت، والنجاحات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، والخيبات التي لا تُقال لكنها تُفهم.
في تلك المساحات المشتركة، تتشكل علاقات لا تُعلن، لكنها راسخة.
علاقات تقوم على الاحترام، وعلى شعور خفي بالانتماء، وعلى يقين داخلي بأن هناك من يراك ويفهمك، حتى وإن لم تجمعكما صداقة بالمعنى التقليدي.
نعتاد وجودهم حتى نظنه أمرًا بديهيًا.
نؤجل الكلمات الجميلة، ونؤخر الامتنان، ونفترض أن الغد متاح دائمًا.
لكن الغياب يأتي فجأة، دون تمهيد.
خبر وفاة زميل عمل لا يشبه أي خبر آخر.
لأنه لا يخص شخصًا واحدًا، بل يمس مكانًا بأكمله.
يصيب الصمت الممرات، وتفقد الضحكات معناها، ويصبح الكرسي الفارغ علامة استفهام لا تُجاب.
نحزن على الإنسان، وعلى ما كان يمثله من أمان، وعلى الأيام التي لن تتكرر.
أما حين يأتي الغياب في صورة معاش، فالألم أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل عمقًا.
نودّع بابتسامة، ونلتقط الصور، ونتبادل الدعوات الطيبة، لكن القلب يعرف أن صفحة كاملة قد طُويت.
يغادر الزميل المكان، ويبقى أثره عالقًا في التفاصيل: في مكتب لم يتغير ترتيبه، وفي ملفات تحمل خط يده، وفي مواقف نتذكرها كلما مررنا بالمكان.
تمضي الأيام، ويتغير الأشخاص، ويستمر العمل.
لكن بعض الوجوه لا تُمحى.
تبقى حاضرة في الذاكرة، وفي الأحاديث العفوية، وفي لحظات الحنين التي تأتي دون استئذان.
رفاق العمر في مقرات العمل ليسوا مجرد مرحلة مهنية، بل فصلًا إنسانيًا كاملًا.
فصلًا نتعلم فيه معنى المشاركة، والصبر، والاحترام، ومعنى أن يكون الإنسان سندًا لإنسان آخر في صمت.
قد تنتهي الوظيفة، وقد يتغير المكان، لكن العِشرة الصادقة لا تعرف نهاية...تظل حيّة في الوجدان، وتثبت لنا أن ما يصنع قيمة العمل حقًا… هو الانسان.

بالنهاية الحقيقية اننا لا نحمل معنا من العمل إلا الوجوه التي أحبّت، والقلوب التي شاركتنا الرحلة… وكل ما عدا ذلك يٌنسى.




تم نسخ الرابط