الخميس 15 يناير 2026 الموافق 26 رجب 1447

وائل عطية يكتب: بترول فنزويلا بين واشنطن وأوبك+: عودة ممكنة أم وهم سياسي

70
المستقبل اليوم

منذ الثالث من يناير ٢٠٢٦، لم تعد فنزويلا ذلك الملف المؤجل على هامش النظام الدولي، بل تحولت فجأة إلى بؤرة اشتباك مباشر بين السياسة واقتصاد الطاقة. العملية التي نفذتها القوات الأمريكية داخل كاراكاس ضد مادورو وزوجته لم تكن مجرد حدث أمني استثنائي، بل لحظة كاشفة لانهيار معادلة قديمة وبداية مرحلة انتقال تتنازعها الشرعية والسيادة بقدر ما تتحكم فيها حسابات البترول.
بعد أيام قليلة أدّت نائبة الرئيس ووزيرة البترول اليمين لتولي السلطة بصفة مؤقتة. ورغم أن المشهد تم تقديمه باعتباره ترتيبًا دستوريًا سريعًا لملء الفراغ لكن الحقيقة أنه اختيار أمريكي محسوب لإزاحة الرأس والإبقاء على جسد النظام أملاً في إدارة المرحلة التالية من الداخل لتجنب الصدام مع القاعدة الجماهيرية للدولة العميقة.
غير أن عواصم الطاقة لم تنشغل كثيرًا بمن يحكم فنزويلا... بقدر ما انشغلت بكيفية استعادة امكانيات دولة غنية بالبترول منهكة اقتصاديًا ومؤسسيًا دون أن يختل ميزان السوق العالمي ودون أن تتحول هذه العودة إلى صدام مفتوح مع أوبك+.
في هذا السياق صعّد الرئيس الأمريكي لهجته بصورة غير مسبوقة ملوّحًا بإدارة أمريكية مباشرة لفنزويلا خلال مرحلة انتقالية. ورغم ما أثاره الخطاب من سخرية وجدل إلا أن رسالته الأساسية كانت واضحة لأسواق الطاقة: فنزويلا لم تعد مجرد ملف عقوبات، بل ملف إدارة فعلية لثروة بترولية ضخمة.
الدلالة الأعمق كانت في سرعة انتقال النقاش من شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى تفاصيل الاستثمار وحماية الإيرادات والتحصين القانوني لعائدات البترول. تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن إجراءات تهدف إلى حماية إيرادات البترول الفنزويلي من المطالبات القانونية التاريخية في محاولة لتفكيك أحد أكبر ألغام الاستثمار: خطر مصادرة الأصول أو تجميد العائدات بفعل دعاوى قديمة. هنا تتضح ملامح المرحلة: واشنطن تريد بترول قابلًا للتسويق قانونيًا قبل أن يكون قابلًا للإنتاج ميدانيًا.
قبل هذه التطورات كان التحليل الأكثر واقعية يؤكد أن عودة فنزويلا إلى مستوى ٣ ملايين برميل يوميًا ليست قرارًا سياسيًا سريعًا، بل مشروع إعادة بناء طويل النفس.
تقرير Rystad Energy الصادر في يناير ٢٠٢٦ قدّر أن الوصول إلى هذا المستوى بحلول ٢٠٤٠ يتطلب استثمارات بنحو ١٨٣ مليار دولار خلال الفترة من ٢٠٢٦ الى ٢٠٤٠ مع إمكانية قفزة مرحلية إلى ٢ مليون برميل يوميًا بحلول ٢٠٣٢ إذا تم ضخ الاستثمارات مبكرًا.
التقرير نفسه يضع حدًا لأي أوهام سياسية: يمكن استعادة ما بين ٣٠٠ و ٣٥٠ ألف برميل يوميًا خلال أقل من ثلاث سنوات عبر برامج صيانة وإصلاح عاجلة لكن تجاوز حاجز ١،٤ مليون برميل يوميًا يصبح أكثر تعقيدًا ويتطلب استثمارات طويلة الأجل في الاستكشاف والإنتاج وشبكات النقل والبنية الأساسية للمعالجة والتخزين والتصدير.
بمعنى آخر، قد يفوز ترامب باللقطة السياسية اليوم لكن السوق لن يمنحه برميلًا إضافيًا غدًا ما لم تُدفع الفاتورة وبأموال الشركات لا بشعارات الحملات الانتخابية.
حتى في حال إطلاق ما يشبه خطة مارشال بترولية لفنزويلا فإن إدخال كميات كبيرة إلى السوق ليس قرارًا أمريكيًا خالصًا. أوبك+ تدير الإمدادات بمنطق دقيق وأي زيادة كبيرة وغير منسقة سواء من عضو داخل المنظمة كفنزويلا أو من خارجها ستضغط على الأسعار وتستدعي ردود فعل مضادة من المنتجين القادرين على المناورة عبر الطاقات الفائضة وخفض ورفع الإنتاج.
ريستاد كانت واضحة أيضًا: الانتقال من ٢ إلى ٣ ملايين برميل يوميًا وحده يحتاج استثمارات ضخمة ولا يصبح جزء كبير منها اقتصاديًا إلا عند مستويات اسعار مرتفعة للبترول فضلًا عن أن السوق العالمية قد لا تتسع عمليًا لهذه الزيادة قبل النصف الثاني من ثلاثينيات القرن في ظل وفرة بدائل أخرى.
اللافت أن المقاومة لا تأتي فقط من أوبك+، بل من الداخل الأمريكي نفسه. فقد وصف الرئيس التنفيذي لإكسون موبيل فنزويلا بأنها غير قابلة للاستثمار ليرد ترامب بتهديد ضمني بمنع إكسون من دخول القطاع هناك. هذا السجال يعكس فجوة عميقة بين منطق السياسة ومنطق مجالس الإدارة: الشركات تبحث عن قانون مستقر وعقود محمية، بينما تسعى السياسة إلى إنتاج سريع يخفف أسعار الوقود ويخدم حسابات الانتخابات.
والحقيقة أن السوق الأمريكي لم يعد بحاجة ملحّة للبترول الفنزويلي بعد ثورة البترول الصخري. الإنتاج العالمي ارتفع من ٦٥،٨ مليون برميل يوميًا عام ٢٠٠٢ إلى ٧٦،٦ مليون برميل عام ٢٠٢٤ وكانت الولايات المتحدة في قلب هذه القفزة، بعدما تحولت من أكبر مستورد بنحو ١١ مليون برميل يوميًا عام ٢٠٠٣ إلى واحدة من أكبر المنتجين والمصدّرين عالميًا اليوم.
البيت الأبيض يستطيع فتح الباب السياسي لكنه لا يستطيع إجبار الشركات على الدخول دون ضمانات. وفنزويلا بتاريخها المثقل بالتأميم والنزاعات القانونية والمخاطر التشغيلية لا تزال بعيدة عن كونها بيئة استثمارية مثالية. السيناريو الأكثر واقعية هو توسع تدريجي عبر شركات قائمة أو أكثر استعدادًا للمخاطر لا اندفاع شامل من عمالقة الصناعة.
قد ينجح ترامب في تحويل فنزويلا إلى عنوان يومي لاستعراض القوة السياسية وقد تنشأ مرحلة انتقالية تفتح باب المواءمة مع أولويات واشنطن. لكن على الأرض، عودة إنتاج البترول ليست بيانًا رئاسيًا ولا عملية عسكرية خاطفة، بل سنوات من استعادة أنشطة الاستكشاف والتنمية والإنتاج وقبل ذلك استعادة الثقة المفقودة.
وحتى حين يبدأ البترول في التدفق فإنه سيدخل سوقًا لا يرحم تحكمه توازنات أوبك+ ومرونة المنافسين وحساسية الأسعار لأي زيادة غير محسوبة.
فنزويلا قد تعود لكنها لن تعود كهدية مجانية للسوق، بل كملف جيوسياسي يُدار بالقطّارة: برميل مقابل برميل وتنازل مقابل تنازل.




تم نسخ الرابط