مروة بوريص تكتب: شركاتنا الوطنية من مقاول باطن لقائد لقطاع الطاقة
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التى يشهدها العالم، يبرز ملف "أمن الطاقة" كأحد ركائز الأمن القومي المصرى.
ورغم ما تجود به أرضنا من ثروات طبيعية، وما يمنحه موقعنا الجغرافى من مزايا، إلا أن استمرار الاعتماد على الخبرات والشركات الأجنبية فى عمليات الاستكشاف والتنقيب بات يطرح تساؤلات وجودية حول تكلفة الإنتاج، وجدوى توطين التكنولوجيا، والمسئولية المجتمعية للشركات العابرة للقارات، وحقوق الأجيال القادمة؟.. ولماذا تظل "الفائدة القصوى" رهينة الخبرة الأجنبية، بينما تمتلك مصر كوادر وشركات وطنية قادرة على قيادة المشهد؟
لا ينكر منصف أن الشراكات الأجنبية حققت اكتشافات كبرى، لكننا ونحن في عام 2026، نجد أن الاستمرار في نموذج "اتفاقيات الامتياز القديمة" التى تمنح الطرف الأجنبى نصيب الأسد وتلتهم الحصة الأكبر من الإنتاج الأولى، لم يعد خيارا مقبولا.. ففى الوقت الذى قد تتحمل فيه الدولة فاتورة إنتاج تفوق أحيانا تكاليف الاستيراد، فإن ذلك قد يحول الموارد الطبيعية إلى عبء مالى واقتصادى.
ما نرصده من اعتماد متزايد على الشريك الأجنبى فى أعمال الحفر والتنقيب، يستوجب وقفة وطنية حازمة لتصحيح المسار للحفاظ على مواردنا الطبيعية للأجيال القادمة.
لقد آن الأوان لتحطيم "أسطورة العجز" التكنولوجي والمالى، يجب حصر دور الشركات الأجنبية فى المشروعات المعقدة بالمياه العميقة، مع تمكين الشركات الوطنية من قيادة العمليات الميدانية بدلا من الاكتفاء بدور "المقاول من الباطن".
فكل بئر يحفر بسواعد ومعدات مصرية يعنى وقف نزيف مليارات الدولارات التى تتسرب كأرباح ومصاريف تشغيل للشركات العابرة للقارات، مما يضمن توجيه الإنتاج لخدمة المصالح الوطنية أولا، خاصة في أوقات الأزمات العالمية.
في أسوان والبحر الأحمر، تتجلى مفارقة غريبة، حيث تحتضن مصر محطات طاقة شمسية ومزارع رياح هي الأكبر عالميا، لكنها تظل "أجنبية الهوية التقنية".. نحن نمتلك الأرض والشمس والرياح، ثم نستورد الألواح والتوربينات بأسعار باهظة.. ولذلك فإن الاكتفاء بدور "العامل" فى مشروعات تعتمد بنسبة 80% على مكونات مستوردة هو استثمار منقوص الجدوى.
إن أى شريك أجنبي لا يلتزم بتوطين حقيقي للصناعة، وبناء مصانع للمكونات التكنولوجية على أرض مصر، هو في الواقع يبحث عن "سوق للاستهلاك" لا عن "شراكة للتنمية".. وهنا، يجب أن يتحول اشتراط العمالة المصرية بنسبة 90% وتوطين المعرفة والتكنولوجيا من خيار تفاوضى إلى نص قانونى ملزم، مع قصر الاستعانة بالخبراء الأجانب على التخصصات الدقيقة ولفترات زمنية محددة.
التاريخ القريب يحمل دروسا ملهمة؛ فدولة مثل النرويج أسست شركات وطنية وفرضت قوانين صارمة لتوطين التكنولوجيا حتى أصبحت شركاتها اليوم هي من تقود عمليات الحفر في أعماق البحار عالميا. وكذلك البرازيل التى استثمرت فى البحث العلمى لتطوير تقنيات الحفر العميق، والسعودية التي عبرت بشركة "أرامكو" من التبعية إلى الريادة العالمية عبر سياسة الإحلال التدريجى.
أما الصين، فقد وضعت قاعدة ذهبية: لا دخول للسوق دون نقل أسرار التصنيع، وهي اليوم تسيطر على مفاصل تكنولوجيا الطاقة المتجددة في العالم.
للأسف، لا تزال بعض الشركات الأجنبية تتعامل مع المناطق المحيطة بمشروعاتها ك "جزر منعزلة".. إن تنمية قرى أسوان والبحر الأحمر، ومحافظات الدلتا والقناة، ودعم التعليم الفنى، وتوفير فرص عمل، وحماية التنوع البيئى، ليس "منحة" تجود بها هذه الشركات، بل هو "تعويض مستحق" عن استغلال مواردها.. ويجب إلزام هذه الشركات ببرامج مسئولية مجتمعية حقيقية تضمن عودة ثمار الطاقة على أبناء هذه المحافظات من خلال خلق فرص عمل كريمة ومستدامة.
ختاما.. إن التحول من "مستهلك للخبرة" إلى "مصدر للتكنولوجيا" هو العبور الحقيقى لمصر نحو المستقبل.. إن تمكين الشركات الوطنية هو الرهان الرابح لتتحول مصر إلى مركز إقليمى للطاقة، ليس فقط بموقعها الجغرافى، بل بسواعد أبنائها.