الأحد 18 يناير 2026 الموافق 29 رجب 1447

د شيرين أبو خليل تكتب: امرأة لم يُسمح لها بالانكسار

66
المستقبل اليوم

استيقظت يومًا لتجد نفسها مطالَبة بأن تكون أمًا تحتضن، وأبًا يحمي، وامرأة تبتسم رغم الانكسار، ورجلًا يواجه العالم دون أن ينهار؛ فكانت قوية لأن الضعف سيقتل كل من خلفها. لم تختر هذا الدور، لكنه اختارها.

حين غاب السند، صارت هي السند، وحين انكسر الجدار كانت هي جدارًا لا يتصدع. وحين انسحب الآخرون، لم تجد وقتًا للحزن؛ وجدت نفسها في الصف الأمامي للحرب: أمّ بلا سند، وأب بلا ظهر، وإنسانة بلا رفاهية الضعف.
في الصباح توقظ أبناءها بابتسامة مرهقة، تُخفي دموع الليل خلف تلك الابتسامة الباهتة، وفي المساء تجلس وحدها تحاسب نفسها: هل قصّرت؟ هل ضعفت؟ ثم تنهض من جديد، لأن الضعف ليس خيارًا لمن تحمل العالم على كتفيها.

تلك التي تعلّم أبناءها الحزم والحنان معًا، تعرف متى تكون قلبًا دافئًا، ومتى تتحول إلى قبضة حديدية تحمي من قسوة الحياة. تربي دون أن تشتكي، وتمنح دون أن تنتظر المقابل.

تعمل، تربي، تخطط، تُداوي، تتخذ القرارات، تحتوي، وتنام أخيرًا لا لأنها ارتاحت، بل لأن الغد يحتاج منها قوة أخرى.

لمّا تسأل نفسها: لماذا أنا؟ لأن الجوع لا ينتظر الإجابة، والخوف لا يمنح فرصة للبكاء. فتحمّلت ما لا يُحتمل، وسكتت حين كان الصراخ أرحم.

قالوا لها: كوني صبورة، ولم يُجبها أحد: إلى متى؟ قالوا: المرأة ضعيفة، ولم يروها وهي تدفن تعبها كل ليلة، وتستيقظ وكأن شيئًا لم يحدث. هي من دفعت الفاتورة وحدها، ودفعت معها العمر والصحة، وأحلامًا لم تجد وقتًا لتحقيقها، وربما لم تجد وقتًا لتحلم بها. لم تسعَ لارتداء عباءة البطولة، لكنها بطلة حقيقية في نظر من يعرف ما تتحمله وتعانيه في صمت.

هي المرأة التي ربما لم يُنصفها القدر، لكنها منحت الحياة لأبنائها؛ التي سُلب منها الأمان، فصنعت أمانًا لغيرها؛ التي لم تجد من يمسك بيديها، فمدّت يديها للجميع، ممن يصفقون لقوتها ثم يتركونها تنزف وحدها.

فإن رأيتِ امرأة قاسية، فاعلمي أن الليونة كُسرت فيها ألف مرة، وإن رأيتها صامتة، فاعلمي أن الكلام خذلها قبل البشر.

تحية لكل امرأة كانت أمًا وأبًا، وكانت أنثى قوية في عالم لا يرحم، وكانت رجلًا حين تخاذل الرجال، وبقيت إنسانة رغم كل معاناة.
لم نطلب الشفقة علينا، ولكن احترمونا، ليس لأننا قمنا بدور الأم والأب، بل لأننا نجونا في معركة لم يكن يجب علينا أن نخوضها وحدنا.




تم نسخ الرابط