الأحد 18 يناير 2026 الموافق 29 رجب 1447

أحمد البري يكتب: ثعابين في بذلات العمل …شخصيات الثالوث المظلم (2)

164
المستقبل اليوم

إن الفرضية التي ينطلق منها هذا الكتاب هي أن المعتلين نفسيًا يعملون في المؤسسات المعاصرة، وعادة ما ينجحون بأفضل معايير النجاح المهني، وسماتهم الشخصية المدمرة خفية عن أنظار معظم الناس الذين يتفاعلون معهم. قادرون على المراوغة، وفي بعض الأحيان يختطفون أنظمة تخطيط أداء التعاقب الوظيفي وإدارته من أجل إضفاء شرعية على سلوكياتهم، إنهم يستغلون نقاط ضعف تواصلية وأنظمة المؤسسات.”

من كتاب: ثعابين في بذلات العمل – بول بابياك وروبرت هير
--------------------
في الجزء السابق من هذا المقال تناولنا مصطلحات مثل “الثالوث المظلم”، وخلال السطور التالية سوف نلقي مزيدًا من الضوء على المفهوم السابق بغرض إيصال المعنى.

والثالوث لغويًا هو ما تكون من ثلاثة، والثلاثة هنا يُقصد بهم ثلاثة أنماط من السمات السلبية تدخل ضمن فئة اضطرابات الشخصية، وهم كما يلي:
أ- الشخصية النرجسية:
هو اضطراب نفسي يميل صاحبه إلى الأنانية الشديدة وحب الذات المبالغ فيه، كما أنه شديد الاهتمام بمظهره الخارجي وصورته أمام الآخرين، يبالغ في تقدير إمكانياته وقدراته مهما كانت محدودة. لديه مهارة التواصل مع الآخرين ويُجيد كلمات المديح والإطراء لمن يريد التودد إليهم، كما أنه يعشق أن يتودد له الآخرون، لذا نجد أغلب ذوي هذا النمط من الشخصيات في حالة سعيٍ دائمٍ إلى مراكز السلطة والنفوذ التي تغذي إحساسهم الزائف بالعظمة والاستحقاق. يقلل النرجسي من شأن الآخرين ويميل إلى حب السيطرة والتحكم في من حوله، وعلى الرغم من حساسيته الشديدة لمعاملة الآخرين له، إلا أنه لا يضع نفسه مكان الآخرين ولا يتعاطف معهم، وتظهر دومًا مشاعره العدائية مع الأقل نفوذًا والأضعف منه.

ب- الشخصية الميكافيلية:
هي سمة شخصية لدى بعض الأفراد تضع المصلحة الذاتية فوق جميع الاعتبارات والأخلاقيات، وأن البشر ليسوا سوى أدوات لتحقيق أهدافهم الشخصية، وهم بذلك يُجيدون التلاعب وتوظيف الآخرين لخدمة أغراضهم، إلى جانب افتقادهم للتعاطف والإحساس بمن حولهم. تتركز اهتماماتهم الأساسية على السلطة والمكانة، وفعل كل ما هو ضروري لتحقيق الأهداف، معتقدين أن الغاية تبرر الوسيلة. لذلك يمتلكون قدرات عالية في التخطيط واستخدام الأساليب اللازمة لتنفيذ تلك الخطط. ويُنسب مصطلح الميكافيلية إلى الفيلسوف السياسي الإيطالي نيكولو مكيافيللي، مؤلف كتاب “الأمير” (Il Principe).

ج- الشخصية السيكوباتية:
هو النمط الأسوأ بين باقي أنماط شخصيات الثالوث، ويرجع ذلك إلى أن سمات السيكوباتي تنطوي على المستوى الأكثر تطرفًا من السمات السيئة سابقة الذكر. قدرته العالية على التلون ورسم الصورة التي يريدها في أذهان الآخرين تُعد من مكامن خطورته، إلى جانب عدم التزامه بالقوانين والقيم الأخلاقية. قد يكون السيكوباتي في العلن شخصًا وقورًا يصفه الناس بأنه نموذج وقدوة أخلاقية، أما في الخلوات فقد يكون ذات الشخص لديه قدر من الدناءة والانحطاط الذي يسمح له بالتحرش جسديًا بكل من لا حول لهم ولا قوة. يمتلك أغلب السيكوباتيين هدوء أعصاب وثقة عالية بالنفس تمنحهم القدرة على اختلاق الأكاذيب دون أن يهتز لهم جفن.

هذا بالنسبة للأنماط الثلاثة من السمات التي يتكون منها الثالوث، لكن لماذا تم وصف هذا الثالوث بكلمة “المظلم”؟

بداخل شخصية كل منا منطقة مظلمة يختبئ بداخلها ما لا نريده أن يظهر في العلن: رغبات مكبوتة، مخاوف، صفات سوداوية، طاقات استثنائية. تلك المنطقة المظلمة في نفوسنا هي نقطة عمياء نجهل تفاصيلها، ولعل هذا من ضمن ما يجعل أشرار الناس في عمى عن سوء صنيعهم. ويعود الفضل إلى أستاذ علم النفس الشهير كارل يونغ في شرح وتوضيح تلك المساحة المستترة من شخصياتنا، والتي أطلق عليها “الظل”. وجميع سمات الثالوث هي صفات سوداوية تقع داخل تلك المنطقة المظلمة “الظل”، لذلك أُضيفت صفة المظلم إلى الثالوث.

وقبل أن أختتم تلك الفقرة أريد التنويه إلى بعض النقاط:

وصم شخص ما بأنه نرجسي أو ما شابه يختلف تمامًا عن التوصيف الذي يستخدمه حاليًا نصف الإناث في وصف النصف المقابل من الذكور، أو ما يستخدمه بعض المرؤوسين في وصف مدرائهم. بل إن تشخيص أي فرد بأن لديه بعضًا من سمات الثالوث المظلم يجب أن يتم على أيدي متخصصين في تشخيص ذلك النوع من اضطرابات الشخصية، وهو أمر ليس بالهين. وفي حالة تشخيص فرد ما بأنه من ذوي سمات الثالوث، فهذا لا يعني أن لديه جميع سمات تلك الشخصيات، فهناك دومًا نسب قد تكون صغيرة أو كبيرة. والاختبارات المستخدمة لتحليل سمات الثالوث متوافرة بكثرة على الإنترنت، ويمكن لأي “مهتم” الاطلاع عليها.

ما زلنا في العام 2002، وقتها كان الإنترنت قد مد أذرعه المعلوماتية إلى معظم أنحاء العالم، وبالطبع كانت نتائج دراسة (Paulhus & Williams, 2002)، إلى جانب آراء أستاذ علم النفس الجنائي روبرت د. هير، قد تنامت إلى مسامع المجتمع العلمي من أهل علم النفس وكهنة معبد الإدارة. عندها بدأت ماكينات الأبحاث والدراسات والأوراق العلمية في الدوران، محاولة إنتاج إجابات موثقة على التساؤلات التالية:
•ما هي النسب “التقريبية” للمديرين التنفيذيين من ذوي سمات شخصيات الثالوث المظلم؟
•لماذا يتفوق بعض المديرين التنفيذيين من ذوي سمات الثالوث المظلم على أقرانهم؟
•هل يمكن أن يكون قادة الثالوث المظلم خيارًا جيدًا لمنصب قيادي؟

بالنسبة للتساؤل الأول، ونظرًا لتعدد المستويات الإدارية وتنوع طبيعة المسؤوليات الوظيفية، فقد تعددت بالتبعية الدراسات والأبحاث، بعضهم تم إجازته والآخر لم يتم الاعتراف به، إلا أن النسب التقريبية وصلت إلى ما بين 20 و30% من إجمالي حجم عينات المديرين التنفيذيين الذين شملتهم الدراسات.

وبالنسبة للتساؤل الثاني، يمكننا إيجاز أسباب تفوقهم من خلال النقاط التالية:

• من سمات الشخصيات النرجسية امتلاكهم للكاريزما والثقة المفرطة، مما يدعم قدراتهم في الترويج للذات أو الدعاية لأنفسهم، وهذا غالبًا يجذب إليهم أنظار الإدارة العليا، إلى جانب جاذبيتهم الاجتماعية التي تمكنهم أحيانًا من فرض الهيمنة على زملائهم، وهو ما يُترجم في بيئات العمل كقدرات قيادية.

• تُعد النفعية من أبرز سمات الشخصية الميكافيلية، إذ تنتقي ذوي السلطة وأصحاب القرار لبناء شبكة علاقاتها، مع إجادة التودد والتملق لتلك الفئات. كما أن مبدأهم القائم على أن الغاية تبرر الوسيلة يجعلهم منافسين شرسين نظرًا لاستخدامهم كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة للوصول إلى أهدافهم.

• الشخصية السيكوباتية من جملة سماتها المعقدة أنها تمتلك الجرأة والبرود العاطفي مع افتقادهم التام للتعاطف، لذا يسطع نجم هؤلاء في حالة اتخاذ القرارات القاسية مثل تسريح العمالة أو فرض جزاءات متكررة دون داعٍ، وهو ما قد تراه مجالس الإدارات “حزمًا” في القيادة. كما أن تلك الشخصيات لا تخشى الفشل أو العواقب، مما يضفي عليهم صورة “متخذي القرارات الشجاعة” في بيئات العمل المتباينة.

وللأسف فإن تلك الفئات من الشخصيات السلبية “تتكاثر” في بيئات العمل التي يخيم عليها غياب العدالة في التقييم ونقص المعايير الحاكمة في انتقاء الكفاءات، وتصير الأساليب الملتوية مسلكًا مختصرًا للبعض لتطوير أوضاعهم الوظيفية.

تبقى لنا الإجابة على التساؤل الهام:
هل يمكن أن يكون قادة الثالوث المظلم خيارًا جيدًا لمنصب قيادي؟ وإذا مثّل هؤلاء الثالوثَ المظلم للشخصيات، فما الذي يعنيه الثالوث المضيء؟

إلى أن نلتقي يوم الأحد القادم مع الجزء الثالث والأخير من هذا المقال.




تم نسخ الرابط