الأربعاء 21 يناير 2026 الموافق 02 شعبان 1447

حين تكتمل الصورة…قراءة في موقف محمد عليم من طارق الملا والقانون 73

352
المستقبل اليوم

يُحسب للمهندس محمد كمال عليم، رئيس جمعية مهندسي البترول والثروة المعدنية، أنه قدّم نموذجًا نادرًا في الخطاب العام حين أعلن صراحة أن خلافه مع المهندس طارق الملا لم يكن يومًا خلافًا إنسانيًا أو شخصيًا، بل ظل – في جوهره – خلافًا مهنيًا وعمليًا بحتًا. وهو تمييز بالغ الأهمية، لا يلتفت إليه كثيرون في زمن اختلطت فيه المواقف الشخصية بالتقييمات العامة.

وعلى مدار أكثر من عام، استضاف عليم عبر منصاته عددًا كبيرًا من الشخصيات العامة والمتخصصين، لتقييم فترة تولي طارق الملا وزارة البترول، وهي فترة امتدت لتسع سنوات حافلة بالتحديات والتحولات. غير أن اللحظة الفارقة جاءت عندما تم اللقاء المباشر، ودار الحوار وجهًا لوجه، فكانت النتيجة انكشاف الغمة، وتكشّف كثير من الحقائق التي غابت أو غُيِّبت.

هنا، انتقل محمد كمال عليم من ضفة النقد الأحادي إلى أفق أوسع وأكثر اتزانًا، بعدما استمع إلى وجهة النظر الأخرى، وراجع كثيرًا مما تبناه سابقًا. ولم يكن ذلك تراجعًا، بل كان – في جوهره – شجاعة فكرية تُحسب له لا عليه.

عليم، الذي لا يصف نفسه بصحفي أو إعلامي، يمتلك ذاكرة حية وثريّة لقطاع البترول، تشكّلت عبر مسيرة مهنية تمتد لأكثر من أربعة عقود. مسيرة جمعته بقامات كبيرة منذ عهد المهندس عز الدين هلال، مرورًا بأكثر من أحد عشر وزيرًا، وصولًا إلى المهندس كريم بدوي. وهي سنوات كفيلة بأن تمنح صاحبها القدرة على التأريخ والتحليل، حتى دون الرجوع إلى الكتب أو أرشيف الصحف.

اعتراف عليم بأن حقائق كثيرة في قضية طارق الملا قد غابت عنه في السابق، وأنه بنى بعض مواقفه على صورة غير مكتملة، يُعد موقفًا نادرًا في المشهد العام. فالأغلبية – للأسف – تصر على الخطأ حتى بعد انكشافه، بينما القلة فقط تملك شجاعة المراجعة وتعديل المسار.

كلام محمد كمال عليم يؤكد حقيقة باتت واضحة: من يناقش أي قضية من زاوية واحدة لا يملك سوى نصف الحقيقة، ويبقى النصف الآخر غائبًا حتى تلتقي الوجوه وتُسمع الروايات المختلفة. وهو ما حدث بالفعل في قضية طارق الملا، حين اكتملت الصورة، فتغير الخطاب وتبدل التقييم.

ومن زاوية أوسع، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه عليم خلال أكثر من عام في إحداث حالة حراك داخل المجتمع البترولي. فقد فتح ملفات، وطرح قضايا، وتحدث عن شخصيات عديدة، وربما نال بعضهم ما لا يستحق، وهو ما اعترف به صراحة. والاعتراف بالخطأ هنا ليس ضعفًا، بل قيمة أخلاقية ومهنية تُحسب لصاحبها.

كما يُحسب له أيضًا ضغطه المستمر بشأن القانون رقم 73، وإثارته لقضايا تنظيمية وتشريعية تمس جوهر العمل في القطاع. وإذا كانت الحياة تتسع للجميع، فإن الساحة الإعلامية والفكرية تحتاج فعلًا إلى ألف صوت، لا صوت واحد، شريطة أن تكون تلك الأصوات مدركة لقيمة الكلمة وخطورتها.

فالمجال المفتوح، حين يكون أكثر زخمًا وتعددًا، يمنح العقول فرصة للإبداع، ويخلق حالة من المنافسة الشريفة، لا الإقصاء ولا التصنيف. وفي النهاية، لا يبقى إلا ما كُتب أو قيل بصدق، وما خضع للمراجعة حين ظهرت الحقيقة.
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط