الخميس 22 يناير 2026 الموافق 03 شعبان 1447

خطبة الوداع ولحظات التغيير بين الأنفاس اللاهثة والأحلام المؤجلة

1122
المستقبل اليوم

 

تمام الأمور ليس في نهايتها. فالنهاية السعيدة رابط لمستقبل أوسع وجهد أوفر، والحزينة إعلان بالفشل وتضميد للجراح. لم يذكر لنا التاريخ تمام الأمور إلا في حجة وداع الرسول الكريم، وقوله المنزّه عن الخطأ والتأويل، عندما أعلن للبشرية: «اليوم أتممت لكم دينكم». كان هذا هو خاتمة عهد البشر مع اكتمال الأمور.

عندما يظهر خط النهاية ويقترب من الأنظار، تزداد حدة الأنفاس اللاهثة، وتصبح كل الجهود أحلامًا مؤجلة. هذا عهدنا مع الدنيا وحالها، وهذا ما يمر به معظم القيادات والوزراء في الأمتار الأخيرة من ماراثون الوظيفة أو المنصب. ولا عيب في ذلك، فكلنا بشر؛ نصيب ونخطئ، نفرح ونحزن، نتمنى الخير والبقاء، نقدّس المنصب والأضواء، ونشعر أحيانًا أننا هبة الله إلى البشرية.

شعور الوداع قاسٍ ومؤلم، تعتمل فيه أحاسيس وضغوط نفسية لا يختبرها إلا من كان على موعد مع امتحان النهاية والاختيار. والمناصب مهما كانت هي مرحلة لا بد لها أن تنتهي، لكن مؤشراتها تختلف من شخصية لأخرى؛ فمنهم من يعمل جاهدًا على الظهور والابتسام، ومنهم من يتذكر المشكلات المتراكمة، ويضع الخطط، ويتهم الأيام والزمن بالسرعة وعدم إعطائه الفرصة لتحقيق ما كان يصبو إليه. ومنهم من يكثف الزيارات ويتجه إلى الشعور الإنساني العاطفي في تهنئة أو مواساة.

مشروعات مهملة تُسلَّط عليها الأضواء، وخطط جاهزة فقط تحتاج إلى وجود المسؤول لفترة أخرى كما يعتقد، وكأن كل ما مر عليه من زمن كان ومضة خاطفة. 
وهنا تأتي أهمية نوعية رجل الدولة؛ هذه النوعية التي تؤمن بأن الدولة هي الباقية، وأن الجميع إلى زوال. رجل الدولة الذي يؤمن بوضع الأمور في نصابها الصحيح، ويرتب ملفاته بدقة لمن يأتي بعده:
ملف «لقد فعلنا»، وفيه كل ما تم من نجاحات وإخفاقات، ثم ملف «المستقبل وتحدياته»، وفيه ما كان مأمولًا ولم يتحقق بصفة عامة.

هكذا يكون احترام القيادة لدولتها وشعبها. ويعلم الجميع أن حجة الوداع وتمام الأمور حادث إنساني لن يتكرر، ويتبقى كل ما عداه ناقصًا. دعونا نخرج من عباءة التبرير والتحديات القاسية التي تنطلق عند اقتراب النهاية، ونتجه إلى العرض المنطقي للأحداث، والاعتراف بعدم القدرة أو حتى التقصير؛ فلا غضاضة في ذلك، فمثل هذه التصرفات الناضجة تثير الاحترام، وتسجل اسم المسؤول في صفحات التاريخ، فربما يكون هو المنصف الحقيقي ولو بعد حين، حتى وإن غاب عنه إنصاف البشر.

الجميع ذاهبون، وتبقى هذه البلاد أرضًا تتسع للجميع، وتعم بخيرها على كل مواطنيها، وتحتاج إلى من يصونها ويقدّر قيمتها، ويعرف أن المنصب رحلة جهاد لا تشريف، ولا تكريم فيه، وكلٌّ لها عاملون.

المستقبل البترولي




تم نسخ الرابط