لطائف وقطائف...سمير زايد (17)
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
القرآن هدى وبينات وفرقان
وصف الله القرآن بقوله: ﴿ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرقان ﴾. هذه الآية تلخّص وظيفة القرآن في حياة الإنسان، وتكشف أبعاده البلاغية والمعرفية.
قوله: “هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه، و*“بينات”* أي: دلائل وحجج بيّنة واضحة جليّة لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرِّقة بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
القرآن هدى
القرآن هداية عامة توجه الناس إلى الحق، وتفتح لهم طريق الرشاد. إنه كتاب يضيء العقول، ويهدي القلوب، ويقود الإنسان إلى الله. الهداية هنا ليست مجرد إرشاد نظري، بل هي نور عملي يوجّه خطوات الإنسان في حياته اليومية.
“هدى للناس وبينات” منصوبان على الحالية، أي: أُنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية. وذلك أن الهدى قسمان: جليّ مكشوف وخفيّ مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية، ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.
ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه، ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان التوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.
القرآن بينات
القرآن بينات واضحة تكشف حدود الله وشرائعه، وتوضح الحلال والحرام. إنه كتاب يضع للإنسان منهجاً واضحاً، لا لبس فيه ولا غموض، ليعيش حياة مستقيمة. البينات هي الحجج والدلائل التي تقطع الشك وتزيل الغموض، لتجعل الحق واضحاً كالشمس.
عن موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما “وبينات من الهدى والفرقان” فبينات من الحلال والحرام.
وقوله: “وبينات” فإنه يعني: واضحات من الهدى، أي من البيان الدال على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.
القرآن فرقان
القرآن فرقان يميز بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين طريق الهداية وسبيل الضلال. بهذا يصبح القرآن ليس مجرد نصّ، بل معياراً للحق، ومقياساً للعدل، ونوراً يكشف زيف الباطل. الفرقان هو القدرة على التمييز، وهو أعظم ما يحتاجه الإنسان في زمن كثرت فيه الشبهات.
نزول القرآن في رمضان يعلّمنا أن الوحي لا ينفصل عن العبادة، وأن الهداية لا تنفصل عن التزكية. فمن أراد أن يتذوق أنوار القرآن، فليطهّر قلبه بالصوم، وليفتح روحه للتلاوة والتدبر. بهذا المعنى، رمضان هو زمن اللقاء بين الحرية الروحية والهداية العقلية، بين صفاء القلب ونور العقل، بين الإنسان وربه.
رمضان كريم