مجرد رأي: ما بين الرشوة الكبرى والصغرى زمن طويل
أثار الخبر الحزين الذي نشره المستقبل البترولي عن القبض على أحد المسؤولين بإحدى الشركات، الأحزان لما آلت إليه أخلاقيات البعض من التدني والسقوط في هاوية الدنيا والآخرة. لا يمكن أن تسعفك الكلمات لاستنكار هذا التصرف اللا أخلاقي، ولكنك تتعجب: ماذا ينقص هذا المسؤول ليضيع مستقبله وأسرته وكل ما له في الدنيا إذا ما أدانه القضاء؟ لأن الحكم يشمل عادة مصادرة الأملاك وغرامة باهظة.
وإذا كان عليك تتبع الأسباب التي أودت به إلى هذا المنحى، فعليك أن تدرس العديد من الظواهر المهمة. أهمها بالقطع هو التدين الظاهري الذي أصبح شائعًا بشكل كبير كستار واقٍ، وستجد هذا المسؤول من أشد من يؤمّنون على دعاء إمام الجامع وهو يهتف بأن يغنينا الله بحلاله عن حرامه.
ثانيًا هو التسيب وسحر سلطة اتخاذ القرار الانفرادي، الذي يهيئ للفاعل بأنه أصبح يملك كل أدوات التحكم في القرار بدون مساءلة.
ثالثًا هو فرط الثقة في النفس بخبرة كبيرة متشعبة لا يعرف دهاليزها الكثيرون، وستجده حتمًا رافضًا لنقل خبرته إلى أي شباب من حوله، بل ويحاول جاهدًا تطفيشهم من إدارته.
رابعًا الأنانية المفرطة في تحقيق الأهداف وبأسرع وقت ممكن، على الرغم من أن القطاع يمنحه دخلًا وتأمينًا يحسده عليه الكثيرون، ولا يعنيه بأن فعله المشين يصيب القطاع في الصميم ويجعل الرأي العام يتحزب ضد العاملين فيه ويصمهم بالطمع.
لن ينسى القطاع قضية الرشوة الكبرى التي حدثت في أوائل هذا القرن وراح ضحيتها عدد من قيادات الهيئة السابقين، لأنها قضية متشعبة وكانت أبطالها مجموعة لها نظام عمل متكامل، كل منهم له دور محدد. واهتز لها قطاع البترول بعنف بعد اكتشاف وإسقاط تلك الشبكة العنقودية التي ظلت في المحاكم سنوات عديدة، وأحدثت تغييرات جذرية في العديد من النيابات المحورية.
الرشوة ليست مجرد نقود تُدفع، ولكنها استغلال مصالح، ومن يزرعون أولادهم للعمل لدى المقاولين الذين يعملون تحت سلطتهم وفي نفس أماكن عمل آبائهم هو نوع من الرشوة. وهكذا هناك أوجه كثيرة للرشوة غير الشكل التقليدي لها.
الخلاصة: ليس هناك أي مبرر للرشوة، وخاصة في قطاع البترول، وهو يؤمن لعامليه دخلًا محترمًا، ويتباهى بإنفاق الملايين حتى تصبح كافة أنشطته إلكترونية، وظهور حالات رشوة هو ضرب لهذا النظام برمته.
في النهاية يجب دراسة هذه الحالات بشكل تفصيلي، واتخاذ الإجراءات الكفيلة التي تمنع أصحاب النفوس الضعيفة من الانفراد بالقرار أو استغلاله لأنفسهم.والسلام.
#سقراط