الإثنين 16 مارس 2026 الموافق 27 رمضان 1447

لطائف و قطائف … سمير زايد (26)

58
المستقبل اليوم

 

إن ليلة القدر ليست مجرد ليلة زمنية تمر في التقويم ، بل هي لحظة نورٍ تتجلى فيها رحمة الله على عباده. ففيها تتنزل الملائكة بالخير والبركة، ويعمّ السلام والسكينة قلوب المؤمنين. يقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، والمقصود بالروح هو الملك جبريل، الذي كان ينزل بالوحي على النبي الكريم محمد بن عبد الله، معلنًا بداية رسالة الهداية التي أضاءت دروب البشرية.
وقد ارتبطت ليلة القدر بحدث عظيم ، وهو بدء نزول القرآن الكريم. فقد كانت هذه الليلة نقطة التحول الكبرى في حياة الإنسانية، حين أشرق نور الوحي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان. ولهذا أصبحت ليلة القدر رمزًا للهدى والرحمة، ومناسبة يتجدد فيها ارتباط المسلم بكتاب الله وتدبر معانيه.
ولأن فضل هذه الليلة عظيم، فقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على تحريها في العشر الأواخر من شهر رمضان، والاجتهاد في العبادة خلالها. فقد كان عليه الصلاة والسلام يحيي ليالي العشر بالقيام والذكر، ويوقظ أهله ليدركوا فضل هذه الليالي المباركة. وكان الصحابة والتابعون يسيرون على نهجه، مدركين أن لحظة إخلاص في تلك الليلة قد تغيّر مصير الإنسان كله.
ولقد فهم السلف الصالح قيمة ليلة القدر، فكانوا يعظمونها ويجتهدون فيها أشد الاجتهاد. فقد قال الإمام الحسن البصري: اطلبوا ليلة القدر في كل ليلة من العشر الأواخر. وكان يقصد بذلك أن يظل قلب المؤمن يقظًا متطلعًا إلى رحمة الله، لا يقتصر على ليلة بعينها، بل يحيي جميع تلك الليالي بالعبادة والذكر.
وقال الإمام سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحبّ إليّ من كثير من العمل. وذلك لأن الدعاء في تلك الساعات المباركة يكون أقرب إلى القبول، حيث يقف العبد بين يدي ربه متجردًا من كل شيء إلا من رجائه في رحمة الله ومغفرته. فقد كان السلف يرون أن ليلة القدر فرصة ربانية لا تعوض، ومن حُرم خيرها فقد حُرم خيرًا كثيرًا.
ومن أجمل ما ورد في هذه الليلة المباركة ما نقلته أم المؤمنين عائشة عندما سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أقول إن وافقت ليلة القدر؟ فقال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني. وهذا الدعاء البسيط في كلماته، العميق في معناه، يجسد روح هذه الليلة التي يغلب عليها العفو والصفح والرحمة.
إن ليلة القدر تحمل في طياتها معاني روحية عميقة، فهي ليلة المراجعة مع النفس، وليلة التوبة الصادقة، وليلة الرجوع إلى الله. ففي هدوء الليل وسكونه، يقف المؤمن بين يدي ربه يناجيه، ويستشعر ضعفه وحاجته إلى رحمة الله. وحين تسيل الدموع في السجود وتُرفع الأكف بالدعاء، يشعر القلب بطمأنينة لا توصف، وكأن الروح قد تحررت من أثقال الدنيا وهمومها.
ولهذا أن أعظم ما يميز هذه الليلة هو صفاء القلب وإخلاص النية. فليست العبرة بكثرة الأعمال فحسب، بل بحضور القلب وخشوعه. فالركعة التي يؤديها العبد بصدق وخشوع قد تكون أعظم عند الله من عبادات كثيرة بلا حضور قلب.
ومن حكمة الله تعالى أن أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر، ليجتهد المسلم في العبادة ويزداد قربًا من الله في تلك الليالي المباركة. فلو عُرفت ليلة واحدة بعينها، لاجتهد الناس فيها فقط، لكن إخفاءها جعل المؤمن يعيش حالة من الاجتهاد الروحي المستمر.
وفي ختام الحديث عن ليلة القدر، ندرك أنها ليست مجرد ليل رزقنا الله أنا وإياكم استجابة الدعاء وقبول العمل.




تم نسخ الرابط