السبت 21 مارس 2026 الموافق 02 شوال 1447

مروه عطيه تكتب... عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

71
المستقبل اليوم

كلما اقترب العيد، يتردد في الذاكرة ذلك السؤال القديم الذي صاغه الشاعر أبو الطيب المتنبي قبل قرون: «عيدٌ بأية حالٍ عدتَ يا عيد؟». سؤال يبدو وكأنه كتب لزمننا هذا، حين يأتي العيد محاطًا بظروف اقتصادية صعبة وتحديات دولية متشابكة تلقي بظلالها على حياة الناس في كل مكان، ومنهم المصريون الذين اعتادوا أن يواجهوا الشدائد بالصبر والرجاء.
العيد في مصر ليس مجرد مناسبة عابرة فى التقويم، بل حالة شعورية كاملة؛ طقوس متوارثة تبدأ قبل قدومه بأيام. في الأزقة القديمة تفوح رائحة الكعك، وفي البيوت تنشغل الأمهات بترتيب التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرح، بينما يترقب الأطفال صباح العيد بقلوب مملوءة بالبهجة. غير أن هذه الطقوس نفسها صارت هذا العام أكثر هدوءًا وأشد حرصًا، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط الحياة اليومية التي دفعت كثيرًا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
فالعالم منذ سنوات يعيش على إيقاع أزمات متلاحقة؛ توترات سياسية، وصراعات دولية، وتقلبات اقتصادية أثرت في أسعار الطاقة والغذاء، وانعكست آثارها على اقتصادات دول كثيرة. وفي ظل هذه التحولات، يجد المواطن العادي نفسه في مواجهة واقع يتطلب قدرًا أكبر من الصبر والتدبير.
ومع ذلك، يبقى في المصريين شيءٌ لا يتغير. فهذه البلاد عرفت عبر تاريخها الطويل سنوات رخاء وسنوات شدة، لكنها احتفظت دائمًا بقدرتها على صناعة الفرح ولو من أبسط الأشياء. قد تتراجع مظاهر الاحتفال أحيانًا، وقد تصبح المشتريات أقل مما كانت عليه، لكن روح العيد نفسها لا تغيب: صلاة الفجر التي تتبعها تكبيرات العيد، الزيارات العائلية التي تعيد وصل ما انقطع من الود، وضحكات الأطفال التي تبدد شيئًا من عناء الأيام.
ولعل أجمل ما يكشفه العيد في مثل هذه الظروف هو اتساع مساحة التكافل بين الناس. ففي الأوقات الصعبة تزداد مبادرات الخير، ويتقاسم الجيران ما لديهم، وتستعيد القيم القديمة بريقها؛ قيم الرحمة والمودة والتضامن التي ظلت عبر العصور جزءًا أصيلًا من ملامح المجتمع المصري.
وهكذا يعود العيد كل عام حاملًا معه مزيجًا من الفرح والتأمل. قد تختلف الأحوال وتتبدل الظروف، لكن الأمل يظل حاضرًا، يهمس في القلوب بأن الغد قد يكون أرحب وأخف وطأة. وربما لهذا السبب تحديدًا ينتظره الناس؛ ليس فقط لأنه يوم للفرح، بل لأنه يذكّرهم بأن الحياة، مهما ضاقت، ما زال فيها متسع لابتسامة… ومتسع لعيد.




تم نسخ الرابط