حكايات صانع السجاد الذي يتحكم في البترول
من أكثر الحكايات التي تشد الانتباه وتدعو للتأمل هي حكايات الحروب وما يجري فيها وشخصياتها وطبيعة البلدان المتحاربة وما تمر به من ظروف، لأنها تدخل صفحات التاريخ وتصبح ذكرى ودروسًا. وتأتي الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط على قمة الأحداث لما لها من تأثيرات وتداعيات، بعضها ظهر جليًا نعيشه يومًا بيوم، والآخر ما زال في غيب المستقبل ربما يكون أشد وطأة مما نمر به الآن.
وتأتي على قمة الشخصيات رئيس البرلمان الإيراني، أحد القيادات القليلة المتبقية في سدة الحكم هناك. والحديث عنه لن يكون من المنطلق السياسي أو العسكري، وإنما من منظور اسمه على وجه الخصوص، والترجمة العربية لاسمه هي (صانع السجاد).
وجميعنا من أصحاب السن المتقدمة على دراية بقيمة وجود السجاد الإيراني الشهير، حيث إنه يظل مدعاة التفاخر بين الأغنياء بما يقتنونه من سجاد شيرازي أو تبريزي. وهذا النوع من السجاد الفاخر يتميز بأنه صناعة يدوية من أفخر أنواع الصوف، ويتميز بألوانه ورسوماته المميزة بأشكال الفرسان والحصان والنقوش الفارسية القديمة، والتي يعرفها ويميزها جيدًا أصحاب القصور وهواة الاقتناء.
والاسم هنا له دلالة على الافتخار بتلك الصناعة الوطنية وقدرة الشخص على الاحتمال والصبر والتعامل مع أعقد الظروف، وكذلك الموهبة، لأن حياكة تلك الرسومات هي أمر غاية في التعقيد.
هذا هو شأن الناس في بلدان الحضارات القديمة المتجذرة في التاريخ، لا يمكن مهما بلغت من تقدم أن تنسى أو تنقلع من جذورها الضاربة في أعماق الزمن.
صانع السجاد يتحكم حاليًا في مصير الحرب الدائرة بين عقيدة الوجود وإثبات الذات، وبين فكر تدمير أي حضارة تريد أن يكون لها مكان تحت الشمس، وأن تكون قوية مدافعة عن نفسها وشعبها.
لا يمكن أن تتذكر فجأة وبعد خمسين عامًا أن هذا البلد يمثل تهديدًا لبلد أخرى تبعد عنه آلاف الأميال وتفصل بينهما محيطات. مهما اختلفنا مع سياسات هذا البلد، فإنها تظل حضارة قديمة لها ما لها وعليها ما عليها، يمكن استيعابها والتعايش معها في إطار واضح من تبادل المصالح، وهو الأهم، وهذا هو حال كل بلدان العالم.
كانت ألمانيا في الماضي هي مصدر الاضطراب في العالم كله، واجتاحت كل أوروبا بل وأوغلت في روسيا الشاسعة، ومنيت بهزيمة نكراء نتيجة أفكار مجنونة ومعتقدات واهية، ولكنها ظلت حضارة عظيمة وشعبًا مكافحًا دؤوبًا منظمًا، أعاد بناء دولته بعد أن سويت بالأرض حتى أصبحت من أكبر الدول الصناعية في العالم، ولا يستقيم العالم بدونها.
صانع السجاد الذي يتحكم الآن في مسارات البترول العالمي هو رمز ونبت لحضارة قديمة لا يمكن أن تزول مهما تلقت من ضربات، لأن الأرض تبقى حتى لو تهدم كل ما فوقها.
حتى الآن لم تؤمن البشرية بأن الحياة تتسع للجميع، وحاجتنا إلى كل ما هو ذكي ومتقدم لن تُنسينا حاجتنا إلى هذا السجاد الراقي.
المستقبل البترولي