الخميس 16 أبريل 2026 الموافق 28 شوال 1447

وائل عطية يكتب: مصائبُ قومٍ… فوائدُ قومٍ: خريطةُ الرابحين والخاسرين في أزمةِ هرمز

281
المستقبل اليوم

 

في أسواق الطاقة لا توجد أزمات خالصة ولا مكاسب مطلقة… كل صدمة كبرى تعيد توزيع الأوراق وتخلق رابحين من بين أصوات القنابل كما تترك آخرين يواجهون الخسائر الثقيلة. إغلاق مضيق هرمز ولو جزئيًا ليس مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل زلزال يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية ويكشف بوضوح من يجني الثمار ومن يدفع الثمن.

في قلب هذه المعادلة تقف روسيا بوصفها أحد أبرز المستفيدين. فالقفزة التي بلغت نحو ٩٥٪؜ في إيرادات صادرات البترول خلال مارس ٢٠٢٦ لتصل إلى نحو ١٩ مليار دولار، ليست مجرد رقم اقتصادي، بل تعبير مباشر عن ديناميكية اقتصاد الأزمات. ارتفاع الأسعار بفعل الحرب الإيرانية إلى جانب تخفيف بعض القيود الغربية أتاحا لموسكو فرصة لتعويض سنوات من بيع الخام بخصومات كبيرة والعودة إلى مستويات إيرادات قاربت ذروة اضطرابات ٢٠٢٢. غير أن هذا الانتعاش يبقى هشًا تحيط به مخاطر الهجمات على البنية التحتية وتعطل خطوط تصدير رئيسية ما يجعله مكسبًا طارئا أكثر منه تحولًا مستدامًا.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي تظهر الولايات المتحدة كأكبر الرابحين من زاوية مختلفة. فارتفاع الأسعار إلى ما فوق ١٠٠ دولار للبرميل لم ينعش فقط الإيرادات، بل ضخ عشرات المليارات في شرايين قطاع البترول والغاز. التقديرات تشير إلى مكاسب إضافية قد تصل إلى نحو ٦٣ مليار دولار مع قفزة في التدفقات النقدية إلى أكثر من ١٦٠ مليار دولار. كما ارتفعت الصادرات الأميركية لتقترب من مستويات قياسية تقارب ٥ ملايين برميل يوميًا مدفوعة بعطش الأسواق لبدائل آمنة بعيدًا عن الخليج. حتى الغاز الطبيعي المسال الأميركي وجد فرصته الذهبية مع تزايد الطلب الأوروبي والآسيوي لتعويض اضطرابات الشرق الأوسط. ومع ذلك، تبقى هذه الطفرة مدفوعة بالأسعار لا بالإنتاج ما يجعلها مكاسب سريعة قد تتآكل إذا تراجع الطلب بفعل الغلاء.

في المقابل تبدو دول الخليج في موقع أكثر تعقيدًا. صحيح أن ارتفاع الأسعار يعزز الإيرادات نظريًا لكن تعطّل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات البترول العالمية يحوّل الميزة الجغرافية إلى نقطة ضعف. فالإنتاج المرتفع لا يعني شيئًا إذا تعذر التصدير وتتحول الثروة تحت الأرض إلى عبء فوقها.

وهنا تبرز المفارقة الأكبر: إيران نفسها رغم كونها محور الأزمة ليست من كبار الرابحين. فصحيح أنها تستفيد من ارتفاع الأسعار حيث تزداد عائدات كل برميل تبيعه كما أن اضطراب السوق يفتح قنوات غير مباشرة لتصريف نفطها بخصومات أقل إلا أن هذه المكاسب تبقى محدودة. فإغلاق هرمز يقيّد قدرتها على التصدير مثل غيرها والعقوبات حتى مع تراخٍ مؤقت في تطبيقها ما تزال تكبل النظام المالي والشحن والتأمين. يضاف إلى ذلك استمرار بيع النفط الإيراني بخصومات ملحوظة فضلًا عن مخاطر استهداف بنيتها التحتية. لذلك يمكن وصف وضعها بأنها تربح سعريًا… لكنها تخسر استراتيجيًا.

أما الخاسر الأكبر في هذه المعادلة فهو المستهلك العالمي وتحديدًا الدول المستوردة للطاقة. وهنا تبرز مصر كنموذج واضح لتكلفة الأزمة. فكل زيادة قدرها ١٠ دولارات في سعر البرميل تضيف ما بين ٢ و ٢.٥ مليار دولار إلى فاتورة الاستيراد ما يعني أن الأسعار الحالية قد تفرض أعباء إضافية تتجاوز ٥ إلى ٧ مليارات دولار سنويًا. هذا العبء لا يتوقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى الموازنة العامة حيث تضيف كل زيادة بدولار واحد نحو ٣ إلى ٤ مليارات جنيه أعباءً إضافية ما يضغط على الدعم ويعيد طرح خيار رفع أسعار الوقود.

ولا تقف الخسائر عند البترول، إذ تمتد إلى الغاز الطبيعي، حيث تضطر مصر لاستيراد شحنات غاز مسال بأسعار مرتفعة قد تصل إلى ٧٠–١٠٠ مليون دولار للشحنة الواحدة. ومع اعتماد قطاع الكهرباء بشكل كبير على الغاز تتحول هذه الزيادة إلى ضغط مباشر على منظومة الطاقة قد يترجم إلى ارتفاع الأسعار أو عودة تخفيف الأحمال. وفي الخلفية يتصاعد الضغط على الدولار وتتسع فجوة العملة بينما تنتقل موجة الغلاء إلى كل مفاصل الاقتصاد من النقل إلى الغذاء إلى الصناعة.

وفي زاوية أخرى تلعب الولايات المتحدة دورًا براجماتيًا معقدًا، فهي من جهة أكبر المستفيدين اقتصاديًا ومن جهة أخرى تحاول ضبط السوق عبر تخفيف القيود على النفط الروسي لمنع انفلات الأسعار. إنه توازن دقيق بين السياسة والاقتصاد، بين الضغط على الخصوم وحماية المستهلكين.
اللافت في هذا المشهد أن إغلاق هرمز لا يعيد فقط توزيع الأرباح والخسائر، بل يعيد طرح سؤال أعمق... هل ما يزال البترول أداة نفوذ أم أصبح مصدر عدم استقرار؟ فالدول التي تعتمد عليه كمورد أو كمدخل أساسي تجد نفسها أكثر عرضة للصدمات بينما تلك التي تنوع مصادرها تبدو أكثر قدرة على امتصاص الأزمات.

في النهاية، يتكرر الدرس القديم بصيغة جديدة:
روسيا تربح من ارتفاع الأسعار والولايات المتحدة تحصد مكاسب ضخمة من الصادرات والغاز وإيران تستفيد جزئيًا لكنها مقيدة، بينما تدفع دول مثل مصر فاتورة مضاعفة مرة بالدولار ومرة في معيشة المواطن.

وبين هذا وذاك يبقى السوق العالمي ساحة مفتوحة لقاعدة لا تتغير:
مصائب قوم… فوائد قوم




تم نسخ الرابط