الثلاثاء 21 أبريل 2026 الموافق 04 ذو القعدة 1447

د جمال القليوبي يكتب: امريكا تستغل مخزونها لتعويض الأسواق..وجني المكاسب !

109
المستقبل اليوم

شهدت أسواق النفط العالمية اضطراباً حاداً مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج والعناد المتبادل بين الجانب الأمريكي في الخصار الذي فرضه علي المدخل الخارجي لهرمز ورد الفعل بالغلق لجانب المضيق من المسار الإيراني والذي أوقف تدفقات اي سفن لشحن النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع وكالة الطاقة الدولية إلى تفعيل أدوات الطوارئ التي أُنشئت أصلاً لمواجهة صدمات الإمداد الكبرى ، حيث أعلنت الوكالة في مارس 2026 أكبر عملية سحب من المخزونات الاستراتيجية في تاريخها، بإتاحة نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات لدى الدول الأعضاء لتهدئة اسواق البورصات وتعويض جزء من النقص الحاد في الإمدادات. وقد استجابت دول آسيا وأوروبا وأمريكا سريعاً عبر اليات هدفها كبح ارتفاع الأسعار ومنع حدوث شلل صناعي أو تضخم اقتصادي واسع.

في دول آسيا، كانت اليابان وكوريا الجنوبية والهند الأكثر تحركاً، حيث تعتمد كاملا  على نفط الخليج. اليابان سارعت إلى الإفراج عن جزء من مخزوناتها من شركات أرامكو والكويتية والتي تحتفظ بها علي سبيل الامانه في موانيها ، كما لجات لاستيراد جزء من استهلاكها من الولايات المتحدة وأنجولا ونيجيريا  ، ورفعت الاعتماد على محطات الغاز المسال لتقليل استهلاك الوقود السائل. بينما كوريا الجنوبية اتخذت خطوات مشابهة، مع برامج لترشيد الوقود الصناعي والنقل البحري. أما الهند، فاستغلت مرونة مصافيها لاستقبال خامات بديلة من روسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورفعت معدلات شراء الخام المخفض سعراً (الزيت الثقيل)لإعادة بناء مخزونها المحلي. هذه التحركات الآسيوية ساعدت في تخفيف الازمة ولكنها لم تُنهِ المخاطر بالكامل بسبب ضخامة الطلب الآسيوي.  

وعلي الجانب الاخر في أوروبا، اعتمدت الحكومات على عده محاور مختلفه منها السحب من الاحتياطي، وخفض الطلب، وتنويع الواردات لاتحاد الأوروبي ، حيث طبقت توصيات وكالة الطاقة الدولية وبدأ باستخدام جزء من المخزونات الاستراتيجي  وايضا تم توسيع واردات من بحر الشمال والولايات المتحدة والنرويج وفي الوقت نفسه، ولجأت عدة دول أوروبية لتطبيق خطط ترشيد منها اليات العمل من المنزل، وتشجيع النقل العام، وخفض السرعات على الطرق لتقليل استهلاك البنزين والديزل في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكذلك ركزت أيضاً على حماية الصناعات الثقيلة من انقطاع الوقود عبر أولوية التخصيص.  

أما الولايات المتحدة، فاعتمدت على قوة إنتاجها المحلي وعلى الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، مع زيادة شحنات التصدير إلى أوروبا وآسيا. كما استفادت من مرونة قطاع النفط الصخري الذي يستطيع رفع الإنتاج أسرع من المنتجين التقليديين. إضافة إلى ذلك، استخدمت واشنطن أدوات مالية مثل تهدئة المضاربات ومراقبة أسواق العقود الآجلة، لأن جزءاً من ارتفاع الأسعار كان ناتجاً عن “علاوة الخوف” وليس فقط نقص الإمدادات الفعلي.  

وهنا نطرح السوال الأهم ماذا لو فشلت المفاوضات وعاودت إسرائيل وأمريكا الحرب علي وإيران من جهة أخرى استمرار الحصار البحري الأمريكي ومنع المرور من الجانب الإيراني، فإن السيناريو الأخطر سيكون انتقال الصراع إلى استهداف الموانئ والمنشآت النفطية في الخليج. حينها قد تتعرض موانئ التصدير الرئيسية، وخطوط الأنابيب، ومحطات التحميل، ومصافي التكرير لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، مما يضاعف الخسائر ويقلص الصادرات أكثر والأخطر من ذلك ان أي توقف جزئي لموانئ مثل رأس تنورة أو الفجيرة أو موانئ الكويت والعراق سيؤدي إلى قفزة سعرية قد تتجاوز 130 دولاراً للبرميل خلال فترة قصيرة.

ومع استمرار الحرب حتي يومها 45 اليوم فقد بدأت بعض الاقتصادات الخليجية تشعر بضغط مزدوج من انخفاض العائدات الدولارية من التصدير، وخروج جزء من رؤوس الأموال المستثمرة فيها و الباحثة عن ملاذات أكثر أماناً مما يهدد دول مثل الإمارات والكويت والبحرين وقطر لنقص السيولة المباشره من بيع النفط ، ولكن صحيح أن تلك تمتلك صناديق سيادية ضخمة واحتياطيات نقدية كبيرة، لكن استمرار النزاع يستنزف هذه الموارد تدريجياً، خاصة مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والدفاع والإنفاق الحكومي وشراء منظومات دفاعات صاروخية متعدده من دول الصين وروسيا وتركيا استهلكت جزء كبير من ميزانيتها , ولكن ايضا هناك دول مثل العراق والبحرين وسلطنة عمان والأردن أكثر حساسية بسبب محدودية المرونة المالية مقارنة بجيرانهم.

وهناك سيناريو متشاءيم وهو إذا استمرت الحرب شهوراً، قد تلجأ دول الخليج والعراق إلى عدة بديله منها استخدام الاحتياطيات المالية لتغطية الإنفاق الجاري وايضاً توسيع خطوط الأنابيب البرية البديلة، مثل نقل الخام السعودي عبر البحر الأحمر، أو استخدام خطوط الإمارات إلى الفجيرة خارج هرمز، أو التوسع في الربط مع العراق والأردن وتركيا بل وقد تذهب الي تقليص بعض المشاريع غير العاجلة وتأجيل الإنفاق الرأسمالي وايضا قد تلجأ الي زيادة الاقتراض الدولي إذا تطلب الأمر.

أما إيران، فلديها بالفعل خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات ، فهي تمتلك منافذ برية مع تركيا والعراق وباكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى، كما يمكنها استخدام موانئ بحر قزوين لنقل الخام أو المنتجات إلى دول الجوار ثم إعادة التصدير. كذلك تملك شبكة تبادل مقايضة نفطية مع بعض الدول، حيث يُباع النفط بوسائط تجارية وشركات واجهة ثم يُعاد تسويقه بوجهات مختلفة.

وفي حال استهداف موانئها ومنشآتها النفطية، قد تعتمد إيران بدرجة أكبر على تصدير المنتجات المكررة الصغيرة، والشحنات غير المعلنة، والنقل البري، والمقايضة بالسلع أو العملات المحلية، إضافة إلى التخزين العائم. إلا أن هذه الآليات لا تعوض بالكامل خسارة التصدير النظامي واسع النطاق، بل تخفف فقط من آثار الحصار.

واريد ان أوضح هنا  أن العالم إذا استطاع مؤقتاً احتواء صدمة النفط عبر توصيات وكالة الطاقة الدولية، لكن يبدوا ان  الحقيقة ليست في المخزونات وحدها، بل في وقف الحرب وتأمين الملاحة وإعادة الثقة للأسواق. فإذا طال أمد النزاع، فإن الجميع سيخسر: المنتجون، المستوردون، والأسواق المالية، بينما سيدفع المستهلك العالمي الثمن الأعلى في صورة تضخم وركود اقتصادي جديد..والي تكمله قادمة




تم نسخ الرابط