الأربعاء 22 أبريل 2026 الموافق 05 ذو القعدة 1447

وائل عطية يكتب: الأكاديمية العسكرية وقطاع البترول…دروس في إرادة القرار

217
المستقبل اليوم

هل كان أحد يتخيل هذا المشهد؟ أن تعلن الأكاديمية العسكرية المصرية ممثلة في كلية الدفاع الجوي عن فتح باب التقديم للمشاركة في مسابقة Anti-Drone ، تستهدف الطلاب والباحثين والمهتمين بمجال الطائرات بدون طيار (الدرونز)، لتطوير حلول فعالة لكشف وتتبع وتعطيل هذه الطائرات بما يعزز قدرات الدولة في مواجهة التحديات الأمنية الحديثة ويدعم منظومة الأمن القومي.
هذا الإعلان، في جوهره ليس مجرد فعالية أكاديمية… بل رسالة واضحة: الحلول قد تأتي من خارج الدوائر التقليدية ومن عقول لم تُمنح الفرصة من قبل.

المهموم بحال وطنه ينظر حوله يبحث عن حلول تتجاوز إطار “الممكن” الذي تطاله اليد ويغامر بطرح أفكار خارج دوائر السهولة والاستقرار. لكن وكما هو متوقع تُقابَل هذه الأطروحات بمقاومة من أصحاب القرار عبر ردودٍ جاهزة تتراوح بين التخويف والتشكيك والتقليل من جدواها وكأن الكلام أسهل ما يكون… بينما الفعل هو الغائب الأكبر.

حين تستمع إلى عقول اقتصادية مثل هاني توفيق، حسن الصادي، وقبلهم صلاح جودة، ومحمد العريان، ومحمود محيي الدين (مع حفظ الألقاب) تتساءل: كيف لدولة بحجم مصر بتاريخها وإمكاناتها وشعبها أن تعاني هذا التعثر الاقتصادي المزمن؟

والأمر ذاته يتكرر في قطاع البترول.

الأفكار ليست غائبة… لكننا نظل ندور في نفس الحلقة المفرغة.
لماذا تلتهم الجمعيات العمومية هذا الوقت من القيادات سنويًا؟ ولماذا هذا الغرق في الشكليات مقابل عزوف واضح عن مواجهة جذور المشكلة؟ وكأن الإدارة أصبحت هدفًا في حد ذاتها لا وسيلة لتحقيق النتائج.

حين أصرّ وزير البترول على حل أزمة مستحقات الشركاء وذهب إليهم في بلدانهم واستضافهم داخل الوزارة، تحركت عجلة العمليات وبدأت بشائر الانفراج في الظهور. 
حينما أصرّ على تجاوز القوالب التقليدية للمزايدات العالمية التي لا تتناسب مع طبيعة كثير من مناطق الاستكشاف والحقول المتقادمة نجح في إسناد عشرات الاتفاقيات بوتيرة سريعة وغير مسبوقة حظيت بتقدير واسع داخل القطاع.
السؤال البديهي: لماذا لا نواجه باقي الملفات بنفس الجرأة والوتيرة؟ على الأقل… لماذا لا نحاول؟

إذا كان الحصول على مناطق امتياز واعدة في أفريقيا ودول جنوب شرق آسيا وإنشاء شركة عالمية لتجارة وتخزين الخام والمنتجات البترولية يتطلب تدخلًا رئاسيًا فلنطلبه. الرئيس نفسه دعا مرارًا وفي كل اجتماع تقريبًا إلى طرح الحلول دون تردد… فلماذا نتردد؟

المشكلة الأساسية في قطاع البترول والطاقة في مصر واضحة: فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك.
فهل سنظل مع تضخم الطلب ندور في دائرة الاستيراد ونحرق مواردنا من العملة الأجنبية؟
أين نحن من صناعة القيمة المضافة؟
أين دور الكيانات العملاقة في قطاع البترول المصري، بإمكاناتها البشرية الهائلة وشركاتها المتعددة؟

وزير البترول جاء بخلفية مختلفة: تعليم دولي وخبرة عابرة للقارات وتكوين مهني داخل “شلمبرجير” صانعة الأبطال.
قد يكون هذا هو مفتاح التغيير.
فالثورية الفكرية… لا تأتي من داخل الصندوق.
ولا تُولد من رحم الروتين ولا تنمو في بيئة تخشى الخطأ أكثر مما تسعى إلى النجاح.
الثورية الفكرية تحتاج إلى قرار شجاع يسبقها وإلى مظلة حماية تدعمها لا أن تُجهض في مهدها.

ولدينا شواهد واضحة أن الخروج عن المألوف ليس مستحيلاً.
تحالف مصري بقيادة شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك استطاع تنفيذ مشروع عملاق بحجم سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية خارج الحدود… مشروع لم يكن مجرد إنجاز هندسي، بل رسالة بأن القدرة موجودة وأن الجرأة حين تتوفر تصنع الفارق. إذًا الفكرة ليست غائبة… لكنها تحتاج إلى من يتبناها.

المشكلة لم تعد في نقص الأفكار، بل في غياب آلية تحويل الفكرة إلى قرار والقرار إلى تنفيذ والتنفيذ إلى نتائج قابلة للقياس.

الواقع يقول إن الوقت لم يعد في صالحنا.
فجوة الطاقة تتسع والطلب يتزايد والضغوط على العملة الأجنبية تتفاقم… بينما ما زلنا نناقش (كيف) بدلًا من أن نتحرك نحو (متى).

الحل لن يكون في إجراء واحد ولا في قرار منفرد، بل في حزمة متكاملة من التحركات الجريئة:
تحرير حقيقي لبيئة الاستثمار إعادة هيكلة أولويات الإنفاق تسريع مشروعات القيمة المضافة وربط الحوافز بالأداء لا بالأقدمية.

والأهم من ذلك كله… كسر ثقافة التردد.
هذه الثقافة التي تفضل السلامة على التقدم وتخشى المحاسبة أكثر مما تطمح إلى الإنجاز وتتعامل مع المنصب كمساحة للحفاظ لا كمنصة للتغيير. طالما استمرت هذه الثقافة ستظل كل الأفكار الكبرى مجرد أحاديث جانبية… لا أكثر.

نحن لا نحتاج إلى معجزات، بل إلى قرارات.
ولا نحتاج إلى مزيد من الدراسات، بل إلى شجاعة التنفيذ.
الفرص لا تنتظر… والأسواق لا ترحم… والتاريخ لا يعيد نفسه لمن يتردد.

المشهد واضح… والتحديات معلنة… والحلول موجودة.
ويبقى السؤال الحقيقي:

هل نملك الإرادة لنخرج من الممكن… إلى ما يجب أن يكون؟




تم نسخ الرابط