الأربعاء 06 مايو 2026 الموافق 19 ذو القعدة 1447

د. جمال القليوبي يكتب: لمن تؤول السيادة على مضيق هرمز؟

93
المستقبل اليوم

 

منذ أكثر من شهرين، والعالم يعيش على وقع حرب إسرائيلية أمريكية مفتوحة مع إيران، تجاوزت في تأثيراتها حدود الشرق الأوسط لتضرب عمق الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد للطاقة. فمع كل يوم يمر، يواصل سعر برميل النفط ارتفاعه بصورة متسارعة، بينما تتزايد مخاوف الدول الصناعية والنامية على حد سواء من أزمة طاقة ممتدة قد تعيد العالم إلى مشاهد الاضطرابات الاقتصادية التي عانت ويلاتها في السبعينيات، ولكن هذه المرة في ظروف أكثر تعقيداً.

هكذا اصبحت الان أسواق النفط والغاز في العالم رهينة استقرار مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الضيق الذي يمر عبره جزء هائل من اهم صادرات الطاقة العالمية القادمة من الخليج العربي. ومع استمرار التوترات العسكرية والبحرية، باتت ناقلات النفط المحاصرة والتي وصل عددها الي اكثر من ٢٠٠٠ سفينه وتحمل اكثر من ٢٣٠٠٠ بحارا تعيش حالة من القلق والترقب، وأصبحت شركات التأمين ترفع رسوم المخاطر البحرية بصورة غير مسبوقة، بينما تعاني الأسواق العالمية من نقص متزايد في الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والشحن والكثير من الناس علي السفن يعانون الحيره والقلق ونقص الطعام والشراب.

ورغم تكرار التصريحات الأمريكية الذي يظهر ان الهدف الرئيسي للحرب هو منع إيران من تطوير برنامجها النووي أو امتلاك تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، فإن كثيراً من المراقبين باتوا يتساءلون هل هذه هي الأهداف الحقيقية فعلاً؟ أم أن ما يحدث يتجاوز الملف النووي إلى صراع أعمق حول التحكم في مفاتيح الطاقة العالمية وإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة؟

فالرئيس الأمريكي صاحب قرار الحرب  لم يقدم حتى الآن رؤية واضحة لنهاية هذه الأزمة، كما أن الخطاب السياسي الأمريكي يبدو متناقضاً بصورة لافتة. فدونالد ترامب يطلق تصريحات متباينة عبر منصة “ترست سوشيال”، تارة يظهر فيها لاعباً للجولف غير مكترث بتداعيات الحرب، وتارة يهدد كوبا ويقوم بحصارها بحريا ويمنع إمدادات النفط الفنزويلي اليها ويحول حياه البشر هناك الي جحيم من انقطاع الكهرباء والمياه ونقص الوقود وزيادة اسعار السلع ، وتارة يزيد الحصار البحري علي مضيق هرمز ويخنق إيران ومعها دول الخليج ويهدد ايران  بضربات جديدة، ثم يعود ليعلن عن “جهود إنسانية” لتحرير السفن والبحارة العالقين في مضيق هرمز. هذه التصريحات المتناقضة تعكس حالة من الضبابية السياسية، وتجعل العالم غير قادر على فهم الاستراتيجية الأمريكية الحقيقية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن حماية حرية الملاحة الدولية، فإن الواقع على الأرض يكشف عن استمرار الحصار البحري لمضيق هرمز دون أي سقف زمني واضح. بل إن الإدارة الأمريكية تبدو غير مكترثة بتداعيات ارتفاع أسعار النفط والغاز، حيث يكرر ترامب أن “وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني أهم من ارتفاع أسعار الطاقة”، في رسالة تعني ضمنياً أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يتحمل المزيد من الأزمات طالما أن الضغوط مستمرة على طهران.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية أن مضيق هرمز لم يعد كما كان قبل الحرب. فالمياه هناك تحولت إلى منطقة شديدة الخطورة، مليئة بالألغام البحرية المتنوعة في أنواعها وأماكن انتشارها، ما جعل الملاحة البحرية تمر عبر مسارات محددة وضيقة للغاية. وأصبحت أي سفينة تخرج أو تدخل المضيق تحتاج إلى مرافقة وتأمين دقيق، سواء من القوات البحرية الأمريكية أو عبر الإرشادات الإيرانية التي تتحكم فعلياً في كثير من خطوط المرور داخل المضيق. وتشير تقارير عديدة إلى أن البحرية الأمريكية اضطرت لاستخدام كاسحات الألغام لتأمين ممرات بحرية محددة، إلا أن هذه المسارات لا تزال ضيقة ومعقدة، ولا تسمح بحرية الحركة السابقة لناقلات النفط العملاقة. وفي المقابل، تتحدث بعض التحليلات عن أن إيران أصبحت تفرض واقعاً جديداً داخل المضيق، يتمثل في التحكم غير المباشر في خطوط العبور، بحيث لا تمر السفن بأمان إلا عبر ممرات يتم تحديدها ومراقبتها بعناية، الأمر الذي يخلق حالة شبيهة بـ “الإتاوة البحرية” غير المعلنة.

هذه التطورات جعلت سوق الطاقة العالمية يعيش واحدة من أخطر مراحله منذ عقود. فالدول الأوروبية التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الطاقة بعد أزمات السنوات الأخيرة، أصبحت تواجه ضغوطاً إضافية تهدد معدلات النمو الصناعي والتضخم. أما الاقتصادات الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، فهي الأكثر تأثراً بسبب اعتمادها الكبير على نفط الخليج وغاز المنطقة.

كما أن الدول النامية باتت تدفع ثمناً مضاعفاً، ليس فقط نتيجة ارتفاع أسعار النفط، ولكن أيضاً بسبب زيادة تكاليف الغذاء والشحن والنقل والكهرباء، وهو ما أدى إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية واسعة في العديد من الدول المستوردة للطاقة.

وفي خضم هذه الأوضاع، يبدو أن واشنطن تسعى إلى إدارة “حرب باردة” طويلة الأمد مع إيران، تعتمد على الحصار البحري والاستنزاف الاقتصادي أكثر من المواجهة العسكرية المباشرة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لكنها في الوقت ذاته تريد إبقاء طهران تحت ضغط دائم، سواء عبر العقوبات أو التحكم في صادرات النفط وحركة الملاحة.

وعليه، إذا ظل الحال كما هو عليه من حصار بحري أمريكي وغلق إيراني للمضيق، واستمرت سياسة الشد والجذب والمفاوضات الكرتونية التي تفتقد الجدية والأهداف الواضحة، فإن العالم سيكون أمام سيناريوهين شديدي الخطورة ، السيناريو الأول يتمثل في استمرار الحصار وقلة المعروض النفطي عالمياً، الأمر الذي قد يدفع سعر برميل النفط إلى حدود 135 دولاراً أو أكثر. وعند هذه المرحلة ستجد الدول الصناعية نفسها مجبرة على الإفراج عن كميات ضخمة من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لمحاولة تهدئة الأسواق وكبح جماح الأسعار. وستكون أوروبا في مقدمة هذه الدول بسبب اعتمادها المرتفع على واردات الطاقة، يليها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، التي ستسعى جميعها إلى ضخ كميات من الاحتياطي النفطي لمنع انفلات أسعار الطاقة وتأثيرها الكارثي على اقتصاداتها وصناعاتها الثقيلة.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر تشاؤماً، فيتمثل في دخول العالم في مرحلة من الركود الصناعي ونقص إمدادات الكهرباء. فارتفاع أسعار النفط والغاز مع استمرار تعطل سلاسل الإمداد قد يدفع الكثير من المصانع إلى تقليل الإنتاج أو التوقف الكامل، خصوصاً الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الحديد والأسمدة والبتروكيماويات والألومنيوم. كما ستواجه دول عديدة أزمات في توفير الكهرباء، ما سيدفع الحكومات إلى تطبيق سياسات ترشيد واسعة لاستهلاك الكهرباء والوقود البترولي، وربما العودة إلى خطط الطوارئ التي تشمل تخفيض ساعات الإضاءة وتقليل استهلاك الوقود في قطاعات النقل والصناعة.

وهنا يبقي السؤال الأهم: إلى متى يستطيع العالم تحمل هذه الحرب الباردة الجديدة؟ وهل يدرك البيت الأبيض أن استمرار الضغط على إيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بأكمله؟ أم أن النفط والطاقة أصبحا بالفعل سلاحاً استراتيجياً تستخدمه القوى الكبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة في القرن الحادي والعشري… والي تكمله قادمه




تم نسخ الرابط