د جمال القليوبي يكتب:" مستقبل منظمة الاوبك بين التفكك او اعادة الهيكلة"
تمثل منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» اخد أقدم وأهم التكتلات الاقتصادية في العالم، إذ تأسست عام 1960 بهدف حماية مصالح الدول المنتجة للنفط وتحقيق التوازن في أسواق الطاقة العالمية. وعلى مدار عقود طويلة استطاعت المنظمة أن تفرض نفسها كلاعب رئيسي يتحكم في معادلة العرض والطلب وأسعار النفط العالمية، إلا أن المتغيرات السياسية والاقتصادية الحالية جعلت مستقبل المنظمة يواجه تحديات غير مسبوقة، قد تصل إلى حد التفكك أو إعادة الهيكلة بصورة جديدة تتغير فيها خريطة الأعضاء والنفوذ داخل المنظمة.
ويبدو ان مستقبل أوبك اصبح محور التفكير للكثيرين بقوة بعد الأنباء المتعلقة بالخروج الإماراتي المفاجئ، والذي اعتبره كثير من المراقبين تحولا مختلفا عن حالات الانسحاب السابقة التي شهدتها المنظمة مثل الإكوادور أو قطر أو أنغولا أو إندونيسيا. فهذه الدول خرجت غالبا لأسباب اقتصادية داخلية أو نتيجة ضعف تأثير عضويتها على سياسات السوق، بينما يبدو أن الحالة الإماراتية تحمل أبعادا سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد الخلاف حول الحصص الإنتاجية أو الالتزامات السنوية.
وتقوم السياسة العامة لمنظمة أوبك على مبدأ الالتزام الجماعي الواضح بالقرارات التي يتم الاتفاق عليها داخل الاجتماعات الوزارية، سواء فيما يتعلق بخفض الإنتاج أو زيادته أو تثبيت مستويات الضخ. ويُنظر إلى أي دولة تتجاوز الحصص المقررة أو تعترض بصورة متكررة على قرارات المنظمة باعتبارها تضعف وحدة التكتل وتؤثر على مصداقيته أمام الأسواق العالمية. ولهذا كانت أوبك عبر تاريخها تعتمد على الالتزام الصارم من جميع الأعضاء دون جدال أو تراخٍ، لأن نجاح سياسة المنظمة يقوم أساسا على وحدة القرار النفطي المشترك.
وحديثا كشفت التقييمات الحديثه عن صعوبة استمرار هذا النهج التقليدي، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها بعض الدول الأعضاء. فهناك دول مثل ليبيا والعراق والجزائر ونيجيريا تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، وتحتاج بصورة مستمرة إلى زيادة العائدات النقدية السريعة من صادرات النفط لتغطية احتياجات شعوبها من الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. ومن هنا بدأت تظهر أصوات داخل هذه الدول تطالب برفع سقف الإنتاج بعيدا عن قيود الحصص التي تفرضها أوبك.
وتعتبر ليبيا نموذجا واضحا لهذه الأزمة، إذ إن متوسط إنتاجها يدور حول مليون ونصف المليون برميل يوميا في أفضل الأحوال، بينما تمتلك احتياطيات ضخمة تؤهلها لإنتاج كميات أكبر بكثير إذا استقرت الأوضاع الأمنية والسياسية. وينطبق الأمر ذاته على العراق الذي يسعى إلى زيادة إنتاجه بصورة كبيرة لتوفير الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة. أما الجزائر ونيجيريا فهما أيضا ترغبان في مضاعفة الإنتاج لتحقيق عائدات تساعد على تجاوز أزماتهما الاقتصادية المتراكمة.
وفي ظل هذه الضغوط، أصبح بعض الأعضاء ينظرون إلى سقف الحصص الإنتاجية باعتباره عائقا أمام تحقيق التنمية الداخلية، خاصة في وقت يشهد فيه العالم تحولات كبيرة في أسواق الطاقة، وظهور منافسين جدد من خارج أوبك، إضافة إلى تنامي إنتاج النفط الصخري الأمريكي، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر.
ومن هنا يلح السوال المهم هل تستطيع أوبك الحفاظ على وحدتها التقليدية في ظل تضارب المصالح بين أعضائها؟ أم أن المنظمة تتجه بالفعل نحو إعادة هيكلة شاملة قد تشمل خروج دول ودخول أخرى ضمن تكتل نفطي جديد؟
الواقع يشير إلى أن هناك تحركات مكثفة داخل المنظمة لتجنب سيناريو التفكك السريع، خاصة بعد المخاوف من أن يشجع أي انسحاب جديد دولا أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها. ولهذا يجري رئيس المنظمة، إلى جانب المملكة العربية السعودية التي تمثل القوة الأكبر داخل أوبك، سلسلة من اللقاءات والمشاورات السياسية والاقتصادية بهدف احتواء الخلافات وإعادة صياغة مستقبل المنظمة بصورة أكثر مرونة. وتدرك السعودية أن الحفاظ على تماسك أوبك ليس مجرد قضية اقتصادية، بل يمثل أيضا أداة استراتيجية للحفاظ على التوازن في سوق الطاقة العالمي، ومنع انهيار الأسعار أو حدوث فوضى إنتاجية قد تضر بجميع المنتجين. ولهذا تسعى الرياض إلى تطوير مفهوم «أوبك بلس» وتوسيع نطاق التعاون مع دول منتجة من خارج المنظمة مثل روسيا المكسيك وأذربيجان .
كما بدأت تظهر أطروحات جديدة تتحدث عن إمكانية ضم ما يسمى «تكتل الظل لأوبك»، وهي الدول التي تنتج كميات كبيرة من النفط لكنها تعمل خارج إطار المنظمة، وتبيع إنتاجها مباشرة في الأسواق العالمية دون التقيد بحصص الإنتاج أو بسياسات التسعير الجماعي. ولهذا بدأت أوبك بالفعل في فتح قنوات تفاوض وحوار مع عدد من الدول النفطية الكبرى والناشئة، من بينها البرازيل والسنغال وغينيا الاستوائية والإكوادور ، بهدف بناء تكتل أوسع وأكثر قدرة على التحكم في معادلة الطاقة العالمية خلال العقود القادمة.
ويعكس هذا التوجه إدراك أوبك أن مستقبل سوق النفط لم يعد يعتمد فقط على الأعضاء التقليديين، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة المنظمة على استيعاب المنتجين الجدد، والتعامل مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، خاصة مع اشتداد المنافسة بين القوى الكبرى على مصادر الطاقة وخطوط الإمداد البحرية وأسواق التصدير.
ومع ذلك، فإن مستقبل أوبك سيظل مرتبطا بقدرتها على تحقيق توازن صعب بين مصالح الدول الغنية القادرة على تحمل خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار، وبين الدول التي تحتاج إلى كل برميل إضافي لتوفير السيولة المالية العاجلة لشعوبها واقتصاداتها المتعثرة.
ولكن يبدو أن منظمة أوبك تقف اليوم أمام مرحلة تاريخية مفصلية قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية بالكامل. فإما أن تنجح في تطوير نفسها واحتواء الخلافات الداخلية عبر نموذج أكثر مرونة وعدالة، وإما أن تدخل مرحلة من الانقسامات التدريجية التي قد تؤدي إلى ظهور تكتلات نفطية جديدة تغير قواعد اللعبة التي استمرت لعقود طويلة تحت مظلة أوبك التقليدية …والي تكملة قادمة