الخميس 14 مايو 2026 الموافق 27 ذو القعدة 1447

كريم بدوي..لا يهم إن كان القط أسود أم أبيض طالما أنه يصطاد

275
المستقبل اليوم

قالها الزعيم الصيني دينج شياو بينج ذات يوم:لا يهم إن كان القط أسود أو أبيض، طالما أنه يصطاد الفئران.

ورغم أن الجملة خرجت من رحم تجربة اقتصادية صينية معقدة، إلا أنها تصلح أحيانًا لوصف بعض أنماط الإدارة الناجحة، خاصة حين تكون الدولة في مواجهة تحديات ضخمة لا تحتمل الجدل النظري الطويل أو الشعارات المستهلكة.

وفي قطاع البترول تحديدًا، يبدو أن الوزير المهندس كريم بدوي يتعامل بهذه الفلسفة العملية إلى حد كبير. فالرجل لا يبدو منشغلًا كثيرًا بشكل المدير أو خلفيته أو المدرسة التي جاء منها، بقدر انشغاله بسؤال واحد:
هل يستطيع هذا الشخص أن يحقق الهدف أم لا؟

هذه الفلسفة قد تفسر حالة التنوع الواضحة داخل فرق العمل الحالية في القطاع، فهناك من جاء من خلفيات فنية بحتة، وآخرون من الإدارة أو التشغيل أو الاستثمار أو التجارة أو المشروعات، لكن الجامع بينهم هو القدرة على الحركة والعمل وتحقيق نتائج في توقيت صعب تمر به المنطقة والطاقة عالميًا.

العالم تغير، وصناعة البترول نفسها لم تعد مجرد حفر بئر وإنتاج خام. نحن أمام ملفات شديدة التعقيد: أمن طاقة، تغويز، استيراد، استكشاف، طاقة متجددة، بتروكيماويات، استثمارات أجنبية، تكنولوجيا، وتحولات عالمية في أسواق الغاز والكهرباء.

وهنا تظهر البراغماتية كأداة إدارة، لا كشعار سياسي. فلا أحد يسأل الآن عن شكل القط، بل عن قدرته على الصيد وسط هذا الزحام العالمي.

وربما واحدة من أهم النقاط التي تُحسب للوزير الحالي هي أنه لا يدير القطاع بعقلية “الترزية الإدارية” التي تبحث عن نسخ مكررة من الأشخاص، بل يحاول الاستفادة من كل عنصر قادر على تقديم إضافة حقيقية، حتى لو اختلفت طريقته أو أسلوبه أو خلفيته عن السائد.

ولعل ملف سفن التغويز مثال واضح على ذلك، فبعيدًا عن الجدل والضوضاء، كانت النتيجة النهائية أن الدولة استطاعت عبور الصيف الماضي دون العودة لسيناريوهات أكثر صعوبة، مع استمرار ضخ الغاز لقطاعات حيوية، ومحاولة الحفاظ على دوران عجلة الصناعة، خاصة مصانع الأسمدة والبتروكيماويات، وإن شاء الله تعبر هذا الصيف أيضًا بسلام.

وفي هذا السياق، كتب الزميل السيد غنيم رئيس تحرير موقع بترومصر نيوز عن حالة المتابعة اليومية التي يقودها الوزير خلال أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية، مشيرًا إلى أن وزارة البترول لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة ملف الطاقة تحت ضغط إقليمي شديد التعقيد.

وأشار إلى أن الوزير حرص على عقد اجتماع أزمة بشكل يومي، بحضور المهندس صلاح عبدالكريم رئيس الهيئة العامة للبترول، والمهندس سيد سليم رئيس الشركة القابضة للغازات الطبيعية إيجاس، والمحاسبة أمل طنطاوي نائب الهيئة للمالية، والمهندس محمد عاطف نائب التجارة الخارجية، والمهندس محمد مرزوق رئيس جاسكو، مع انضمام قيادات أخرى بحسب طبيعة الملفات المطروحة للنقاش، ومنها المهندس أيمن عبدالبديع نائب النقل والتوزيع.

والحقيقة أن أهمية هذه الاجتماعات لا تكمن فقط في انعقادها اليومي، بل في فلسفة الإدارة نفسها؛ وهي فلسفة تقوم على المتابعة المستمرة، واستشراف السيناريوهات، والاستعداد المبكر لأي تطورات تخص شحنات الغاز أو المنتجات أو استقرار الشبكة القومية.

قد يرى البعض أن الاجتماعات المتكررة نوع من الروتين الإداري، لكن الواقع يقول إنها كانت واحدة من أدوات عبور الأزمة، لأنها خلقت بيئة نقاش مستمرة واتخاذ قرار سريع وتحرك جماعي بين الوزارة والهيئة وإيجاس وباقي الأذرع التنفيذية.

وفي أحيان كثيرة، لا يكون النجاح في الإدارة هو الوصول للكمال، بل القدرة على منع الانهيار، ثم البناء التدريجي فوق أرض ثابتة، وهذا بالضبط ما تفعله الدول الذكية والمؤسسات التي تفكر بعقل بارد.

الصين لم تنهض بالشعارات، بل بالنتائج، وكذلك القطاعات الكبرى لا تُدار بالمظهر، بل بالقدرة على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمناه.

ولهذا ربما تصبح مقولة دينج شياو بينج مناسبة جدًا في توصيف المرحلة الحالية داخل قطاع البترول: لا يهم إن كان القط أسود أم أبيض… طالما أنه يصطاد الفئران.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط