الإثنين 01 يونيو 2026 الموافق 15 ذو الحجة 1447

د جمال القليوبي يكتب: فى انتظار تغيير مناهج التدريس بكليات هندسة البترول

169
المستقبل اليوم

شهدت صناعة البترول والغاز العالمية خلال العقود الستة الأخيرة تحولات جذرية لم يسبق لها مثيل، انتقلت خلالها من الاعتماد على الخبرة البشرية والحسابات التقليدية إلى عصر الرقمنة الكاملة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والمحاكاة الرقمية المتقدمة. وبينما تسابق الشركات العالمية الزمن لتطوير أدواتها وتقنياتها ورفع كفاءة استثماراتها، لا تزال العديد من المناهج الدراسية في أقسام هندسة البترول والتكرير بالجامعات المصرية تدور في فلك المناهج التقليدية التي وُضعت أسسها العلمية منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

ولا يمكن إنكار القيمة العلمية الكبيرة التي قدمتها تلك المناهج الكلاسيكية، فقد شكّلت لعقود طويلة العمود الفقري لتعليم علوم الحفر والإنتاج والخزانات والتكرير. كما أن معظم الكتب المرجعية التي لا تزال تُدرَّس حتى اليوم ألّفها جيل من العلماء الأمريكيين والأوروبيين الذين وضعوا القواعد الأساسية لعلوم هندسة البترول الحديثة، وهي الكتب التي خرجت أجيالاً من المهندسين الذين قادوا صناعة النفط والغاز في مختلف دول العالم.

وتعد أقسام هندسة حفر وإنتاج البترول وهندسة الخزانات والتكرير من التخصصات النادرة نسبياً داخل الجامعات المصرية والعربية، حيث يقوم بتدريسها عدد محدود من الأكاديميين المتخصصين الذين تلقى معظمهم علومهم في مدارس علمية أمريكية وأوروبية مرموقة. وقد استندت هذه الأقسام لعقود طويلة إلى مراجع علمية شهيرة مثل كتب بورجوين في هندسة الحفر، وكرافت وهاوكينز في هندسة الخزانات، وإيكونوميدس في هندسة الإنتاج، وغيرها من المراجع التي ما زالت تمثل أساساً علمياً لا غنى عنه.

ومع بداية الثمانينيات بدأت الصناعة البترولية العالمية تشهد طفرة علمية غير مسبوقة من خلال المؤتمرات الدولية المتخصصة، وعلى رأسها مؤتمرات جمعية مهندسي البترول العالمية (SPE) والجمعيات العلمية المرتبطة بعلوم الجيولوجيا والخزانات. وتحولت هذه المؤتمرات إلى منصات لتبادل الخبرات وعرض أحدث نتائج البحوث التطبيقية والدراسات الميدانية التي تمولها شركات النفط الكبرى.

ولم يكن غريباً أن تنفق شركات عالمية مثل إكسون موبيل وشيفرون وبريتيش بتروليوم وشل وأباتشي وماراثون وأرامكو السعودية مليارات الدولارات سنوياً على الأبحاث والتطوير، سواء داخل مراكزها البحثية أو من خلال شراكات استراتيجية مع الجامعات الأمريكية والبريطانية والكندية والنرويجية. وكانت هذه الشراكات تهدف إلى إيجاد حلول عملية لمشكلات الحفر والإنتاج وإدارة المكامن وتحسين نسب الاسترجاع البترولي وزيادة العائد الاقتصادي للاستثمارات.

وفي المقابل، ظهرت مجموعة محدودة من شركات الخدمات البترولية العالمية التي أصبحت تحتكر جانباً كبيراً من التكنولوجيا المستخدمة في الصناعة، وعلى رأسها شلمبرجير وهاليبرتون وبيكر هيوز وويذرفورد. وقد بنت هذه الشركات إمبراطورياتها الاقتصادية على فلسفة البحث والتطوير (R&D)، والتي أصبحت تمثل العقل المفكر والمحرك الرئيسي لابتكار التقنيات الجديدة.

فجميع المعدات والتقنيات المستخدمة في صناعة النفط تقريباً تمر عبر هذه الشركات، بدءاً من سوائل الحفر وأنظمة الأسمنت ورؤوس الحفر الذكية وأجهزة القياس أثناء الحفر، مروراً بمواسير التبطين وإكمال الآبار، وانتهاءً بأنظمة الإنتاج المتقدمة والمضخات الكهربائية الغاطسة ومعدات الرفع الاصطناعي وتقنيات التحكم الرقمي والمراقبة عن بُعد.

إلا أن العلم الأكثر حساسية وأهمية في الصناعة يظل علم هندسة الخزانات البترولية، وهو العلم الذي يحدد في النهاية حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج والعائد الاقتصادي المتوقع من الحقول. ولذلك استثمرت شركات النفط العملاقة خلال العقود الأخيرة استثمارات ضخمة في بناء قواعد بيانات عملاقة للخزانات البترولية، وتطوير برامج محاكاة متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة.

وقد أصبحت كل شركة من الشركات العالمية الكبرى تمتلك مدارسها الخاصة في إدارة المكامن وتحليل البيانات الجيولوجية والإنتاجية، بل إن بعض الشركات تمتلك نماذج رياضية وخوارزميات خاصة بها لا تتوافر خارج نطاقها التجاري. وتشارك الجامعات العالمية المرموقة في تطوير هذه التطبيقات من خلال شراكات مباشرة مع الشركات، الأمر الذي يخلق بيئة تعليمية متطورة يتم فيها نقل أحدث ما توصل إليه العلم مباشرة إلى قاعات الدراسة.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين التعليم البترولي في كثير من الدول النامية وبين نظيره في الدول الصناعية الكبرى. ففي الوقت الذي يدرس فيه الطالب الأمريكي أو البريطاني أو النرويجي أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الحفر وإدارة المكامن، لا يزال كثير من الطلاب في جامعات أخرى يعتمدون بصورة شبه كاملة على المناهج التقليدية التي لا تتضمن إلا إشارات محدودة لهذه التطبيقات الحديثة.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إلغاء المناهج القديمة أو التقليل من أهميتها، بل إن المطلوب هو إعادة هيكلة العملية التعليمية نفسها. فالمناهج الكلاسيكية ينبغي أن تظل موجودة باعتبارها الأساس العلمي الذي يبني شخصية المهندس، لكن يمكن تدريسها بصورة أكثر تركيزاً خلال السنوات الأولى من الدراسة، على أن يتم تخصيص الجزء الأكبر من السنوات المتقدمة لدراسة التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

لقد أصبحت صناعة النفط اليوم تعتمد على تقنيات لم تكن موجودة قبل عشر سنوات فقط. فهناك منصات ذكاء اصطناعي تستطيع التنبؤ بمشكلات الحفر قبل حدوثها، وبرامج رقمية تحدد أفضل مواقع الآبار الجديدة، ونظم ذكية لتحليل السجلات الجيوفيزيائية، وأدوات لمحاكاة الخزانات في الزمن الحقيقي، فضلاً عن مفهوم التوأم الرقمي الذي يسمح بإنشاء نسخة افتراضية كاملة للحقل البترولي ومتابعة أدائه لحظة بلحظة.

ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة أصبحت ملحة لأن تتبنى وزارة البترول والثروة المعدنية بقيادة المهندس كريم بدوي مبادرة وطنية لتحديث مناهج هندسة البترول والتكرير في مصر. ويمكن أن تبدأ هذه المبادرة بتشكيل لجنة علمية دائمة تضم ممثلين من الخبراء العالميين والمحليين، وممثلين عن الوزارة وكليات الهندسة والتعدين وشركات الإنتاج العالمية وشركات الخدمات البترولية العاملة في مصر.

وتتولى هذه اللجنة مراجعة المناهج الدراسية سنوياً، ورصد أحدث الدراسات والتقنيات العالمية، واقتراح المواد الجديدة التي يجب إضافتها، مع بناء شراكات حقيقية بين الجامعات والشركات تسمح للطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالاطلاع المباشر على التطبيقات الحديثة المستخدمة في الصناعة.

كما ينبغي أن تشمل عملية التطوير إدخال مقررات متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات البترولية والمحاكاة الرقمية وإدارة قواعد البيانات وتطبيقات الحوسبة السحابية والتوأم الرقمي، بحيث يصبح خريج كلية هندسة البترول قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية وليس فقط في السوق المحلية.

إن مستقبل صناعة الطاقة لن يكون للأكثر امتلاكاً للموارد الطبيعية فقط، بل للأكثر امتلاكاً للمعرفة والتكنولوجيا المترابطة بالدراسات الحديثة. وإذا كانت مصر قد نجحت خلال العقود الماضية في بناء كوادر هندسية متميزة ساهمت في نجاح العديد من المشروعات البترولية الكبرى في مصر وخارجها، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة التعليم التقليدي إلى مرحلة التعليم الذكي القائم على المعرفة الرقمية والابتكار المستمر، والتي عندها فقط يمكن أن نضمن تخريج جيل جديد من مهندسي البترول المصريين يمتلكون الأساس العلمي الراسخ، والذي يضمن وجود جيل يدخل إلى الشركات المصرية بقوة، محافظاً على النهج المتقدم والذكي في إدارة المشروعات البترولية والفهم الجيد للخزانات، ويتقنون في الوقت نفسه أدوات المستقبل، ليصبحوا قادرين على قيادة صناعة النفط والغاز والطاقة في مصر وخارجها… وإلى تكملة قادمة.




تم نسخ الرابط