الأربعاء 05 أغسطس 2026 الموافق 22 صفر 1448

وائل عطية يكتب: انتحال صفة الزلزال

8571
المستقبل اليوم

توقّع الجميع خلال اليومين الماضيين أن يتصدر الزلزال الذي ضرب مصر في الثالثة من فجر الإثنين (الترند) بعدما شعر به ملايين المواطنين واهتزت الأرض تحت أقدامهم في مشهد أعاد إلى أذهان الأجيال الأكبر سنًا ذكريات زلزال عام ١٩٩٢ بينما كانت تجربة جديدة ومخيفة لكثير من أبناء الجيل الحالي.
لكن الزلزال على قوته لم يحتفظ بصدارة الترند طويلًا، إذ سرعان ما تفوقت عليه واقعة انتحال شاب صفة قاضٍ بعد ظهوره مرتديًا وشاح الهيئات القضائية داخل إحدى قاعات المحاكم لتتحول القصة إلى حديث الصغير والكبير والمثقف والمواطن البسيط.

بدأت الواقعة بتداول صور ومقاطع مصورة للشاب من داخل إحدى قاعات محكمة شمال القاهرة قبل أن تكشف التحقيقات أنه تمكّن بمساعدة ثلاثة من موظفي المحكمة من دخول قاعات الجلسات بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية مقابل مبالغ مالية.
لم يكتفِ الشاب بالتقاط الصور للذكرى، بل نشرها عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي موهمًا متابعيه بأنه عضو بإحدى الهيئات القضائية ومستغلًا المظهر الرسمي وهيبة المكان لإقناع ضحاياه بامتلاكه نفوذًا يمكّنه من إنهاء الإجراءات والحصول على الموافقات والتدخل في القضايا مقابل مبالغ مالية.

لم تكن الواقعة مجرد جريمة نصب واحتيال تقليدية، بل مشهدًا متكاملًا يصعب تصديق تفاصيله: محكمة حقيقية وقاعة جلسات حقيقية وموظفون حقيقيون ووشاح يشبه الوشاح الحقيقي بينما كانت الصفة وحدها مزيفة.

وربما كان هذا هو الجانب الأكثر صدمة، أن تُسخَّر كل عناصر الحقيقة لخدمة كذبة واحدة.

لكن بعيدًا عن حالة الذهول التي أحدثتها الجريمة تفتح القصة بابًا لنقاش أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالقضية لا تتعلق فقط بشاب ارتدى زيًا لا يستحقه، بل بالمفهوم الأوسع لـ (انتحال الصفة) الذي يتسلل بأشكال مختلفة إلى كثير من تفاصيل حياتنا اليومية.

أليس الطالب الذي يغش في الامتحان منتحلًا لصفة الطالب المجتهد؟
أليس الموظف الذي يتسلّق السلم الإداري بعلاقاته متجاوزًا أصحاب الخبرة والكفاءة منتحلًا لصفة الجدير بالمسؤولية؟
أليس من يتولى منصبًا فنيًا أو قياديًا لا يمتلك أدواته ثم يتحدث ويتصرف باعتباره خبيرًا أكثر خطورة من شخص ارتدى وشاحًا والتقط عدة صور؟
في القطاعات الفنية والاقتصادية الحساسة يتحول هذا الانتحال المستتر من مجرد خلل إداري إلى كارثة حقيقية. فعندما يُسند القرار التشغيلي أو القيادي إلى من يفتقد المعرفة والخبرة لا يعود الأمر متعلقًا بخطاب تأخر أو اجتماع فشل، بل بمشروعات تتعطل وميزانيات تُهدر واستثمارات تضيع وربما أرواح تُهدد وهنا لا يدفع غير المؤهل ثمن جهله وحده، بل تدفعه المؤسسة والدولة والمجتمع.

والأخطر من الخسائر المادية المباشرة هو تلك البيئة السامة والطاردة التي تنشأ عندما يرى أصحاب المواهب والخبرة الحقيقية أن أهل الثقة غلبوا أهل الكفاءة وأن العلاقات حسمت السباق قبل أن يبدأ.
عندها لا يرحل أصحاب الكفاءة فجأة، بل يبدأ رحيلهم من الداخل. يفقدون الحماس أولًا ثم المبادرة ثم الشعور بالانتماء قبل أن يغادروا فعليًا ويتركوا الساحة لمن لا يستحقها.

وهكذا لا تخسر المؤسسة موظفًا موهوبًا فحسب، بل تخسر معيارًا كان يمكن أن يرفع أداءها وقدوة كان يمكن أن تُخرج جيلًا جديدًا من الكفاءات.

هنا يظهر أصل المقارنة: زلزال الطبيعة حدث قاسٍ ومخيف لكنه ينتهي خلال ثوانٍ ويمكن رصد قوته وتحديد مركزه وقياس خسائره. أما إسناد المسؤولية إلى غير مستحقيها فهو زلزال إداري وأخلاقي صامت قد تمتد هزاته الارتدادية لسنوات.
الخطر الحقيقي إذن، لا يكمن فقط في نصاب التقط صورة بوشاح لا يملكه، بل في ثقافة قد تتسامح مع الوصول بلا استحقاق وتحتفي بمن وصل من دون أن تسأل كيف وصل ثم تطالب أصحاب الكفاءة بالصبر والصمت والتعايش مع الواقع.

أما العلاج فلا يحتاج إلى فلسفة معقدة، بل إلى قاعدة واضحة تتفرع عنها كل القواعد الأخرى: أن تكون الكفاءة هي الطريق الحقيقي إلى المسؤولية وأن يرتبط الترقّي بالإنجاز وأن تخضع القرارات للمحاسبة وأن يحصل الجميع على فرص متكافئة وأن يُحمى أصحاب الخبرة والمبدأ من الإقصاء والتهميش.
أعلم أن كثيرين سيقولون: (أضغاث أحلام) وربما يضيف آخرون: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين). لكن ما يبدو مثاليًا اليوم قد يتحول غدًا إلى ضرورة وجودية، عندما يفقد أصحاب المواهب والمبادئ والجادون اهتمامهم بمجتمع لا ينصفهم بينما يتغنى بمنتحلي صفاتهم.

قد تفسّر الزيادة السكانية والتضخم الذي يضرب بلا هوادة وأنماط الاستهلاك والترفيه المتنامية في ظل محدودية الفرص جانبًا من شراسة المنافسة واللجوء إلى النفوذ والعلاقات لكنها لا تبرر أبدًا أن يحصل أنصاف المتعلمين وفاقدو الكفاءة على حقوق الآخرين.

المجتمعات لا تنهار لأن شخصًا مزيفًا نجح في ارتداء الوشاح للحظات، بل تضعف حين يرتفع المزيفون ويسقط أصحاب الصفة الحقيقية.

وأخطر منتحل صفة ليس من يُقبض عليه بعد التقاط صورة وإنما من يستمر في موقع لا يستحقه سنوات ويتخذ قراراته باسم خبرة لا يمتلكها ويدفع الآخرون ثمنها.

ذلك هو الزلزال الذي لا ترصده أجهزة القياس لكن الأجيال قد تدفع ثمنه.




تم نسخ الرابط