وائل عطية يكتب: من الجزائر وتركيا إلى أذربيجان…الفرص تنادي أصحابها
في عالم صناعة البترول لا توجد منطقة انتظار. كل برميل بترول لم تناله أنت سيحصل عليه غيرك. وكل حقل غاز تتردد في الاستثمار فيه سيصبح غدًا مصدر قوة لدولة أخرى وموردًا اقتصاديًا لمنافس جديد.
السؤال لم يعد: هل يجب أن نخرج للبحث عن الفرص خارج الحدود؟ بل أصبح: لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟
ففي ظل الضغوط المتزايدة على موارد الاقتصاد المصري من النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك من البترول والغاز لم يعد تأمين مصادر الطاقة قضية فنية تخص قطاع البترول وحده، بل أصبح ملفًا يرتبط مباشرة بالأمن القومي الاقتصادي للدولة المصرية.
ومن هنا تكتسب التحركات الخارجية التي يقودها المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية أهمية خاصة ليس باعتبارها زيارات بروتوكولية أو مشاركات في مؤتمرات دولية وإنما باعتبارها استجابة لنداءات وجزءًا من مسار جديد يتشكل تدريجيًا عنوانه: الانتقال من إدارة الموارد المحلية إلى البحث عن الفرص أينما وجدت.
فبعد الزيارة المهمة إلى الجزائر وما حملته من رسائل واضحة بشأن الفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات المصرية في أنشطة البحث والاستكشاف وبعد المباحثات المتقدمة مع الجانب التركي لتعزيز التعاون في مجالات البترول والتعدين جاءت المشاركة المصرية رفيعة المستوى في أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان لتؤكد أن مصر بدأت تتحرك على أكثر من محور في وقت واحد.
ولم يكن وجود وزير البترول والمهندس صلاح عبد الكريم الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول في باكو مجرد مشاركة في أحد أكبر التجمعات العالمية للبترول، بل جاء استكمالًا لمسار بدأ بالفعل خلال مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة (إيجبس ٢٠٢٦) عندما تم توقيع الاتفاق الإطاري بين الهيئة المصرية العامة للبترول ومؤسسة النفط الوطنية الأذربيجانية (سوكار).
فالنجاح الحقيقي في قطاع البترول لا يبدأ عند توقيع الاتفاقيات، بل عند تحويلها إلى مشروعات واستثمارات، وبرامج عمل ،وجداول زمنية واضحة.
ومن هنا جاءت أهمية المباحثات التي عقدها الوزير مع قيادات سوكار ووزير الطاقة الأذربيجاني برويز شاهبازوف والتي أكدت أن الجانبين انتقلا من مرحلة التعارف وبناء الثقة إلى مرحلة البحث عن آليات التنفيذ والتعاون العملي.
وتتمتع أذربيجان بأهمية خاصة في معادلة الطاقة الدولية فهي ليست مجرد دولة منتجة للبترول والغاز، بل لاعب رئيسي وبوابة إلى شبكة واسعة من تدفقات الطاقة والاستثمارات والخبرات الممتدة من بحر قزوين حتى الأسواق الأوروبية وتمتلك شركة وطنية قوية ذات حضور دولي واسع وخبرات متراكمة في أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتسويق.
وفي المقابل تمتلك مصر بنية تحتية متطورة في مجالات تسييل الغاز وتكرير البترول والتخزين والتداول وإعادة التصدير فضلًا عن موقع جغرافي فريد يؤهلها للقيام بدور محوري في حركة تجارة الطاقة بين الشرق والغرب.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد وزير البترول خلال الجلسة الوزارية الرئيسية بأسبوع باكو للطاقة أن مصر مؤهلة للقيام بدور مركز الربط بين منطقة بحر قزوين وأوروبا في مجال الطاقة مستفيدة من بنيتها التحتية وموقعها الاستراتيجي وخبراتها المتراكمة.
لكن ما ينتظره المتابعون لشأن البترول والغاز في مصر يتجاوز التصريحات واللقاءات.
نريد أن نري المخرجات والخطوات التالية مثل الإعلان عن تكوين فرق فنية تشمل مهندسين وجيولوجيين وماليين وقانونيين لدراسة الفرص المتاحة. وندعو سوكار للدخول كشريك في مناطق البحث والاستكشاف المطروحة في مصر وتمتد الشراكة إلى مشروعات تجارة وتداول الغاز ونشهد تعاونًا في استغلال البنية التحتية المصرية لخدمة تدفقات البترول والغاز القادمة من منطقة بحر قزوين. نريد ان تتحول هذه التفاهمات إلى استثمارات فعلية وبرامج عمل مشتركة خلال الأشهر المقبلة.
هذه الخطوات والمخرجات هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لما يجري اليوم، وفي الوقت نفسه لا يمكن النظر إلى أذربيجان باعتبارها المحطة الأخيرة في هذا المسار. فخلال الفترة من ٥ إلى ٩ يوليو ٢٠٢٦ تستضيف نيجيريا مؤتمر ومعرض نيجيريا للطاقة في وقت تشهد فيه الدولة الأفريقية واحدة من أهم المزايدات العالمية للبحث والاستكشاف والتي تضم عددًا من المناطق الواعدة ذات الاحتياطيات النفطية والغازية الكبيرة والمؤكدة.
وقد سبق أن أشرنا إلى أهمية هذه الفرص ليس فقط بسبب حجم الاحتياطيات المطروحة، ولكن لأنها تمثل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه استراتيجية مصر المستقبلية في قطاع الطاقة. فالانطلاق من الداخل إلى الخارج يجب أن يتم بقوة وشجاعة وثقة وليس على استحياء.
الدول التي نجحت في بناء نفوذها في مجال الطاقة لم تكتفِ بإدارة مواردها المحلية، بل ذهبت إلى حيث توجد الفرص واستثمرت في الحقول الخارجية وحصلت على حصص إنتاج وبنت شراكات ممتدة عبر القارات.
والحقيقة أن الأبواب أصبحت مفتوحة أمام مصر أكثر من أي وقت مضى، فالجزائر تدعو الشركات المصرية للمشاركة في فرصها الاستثمارية، وتركيا تبحث تعزيز الشراكات في الطاقة والتعدين، وأذربيجان تسعى إلى تفعيل تعاون استراتيجي طويل الأجل مع قطاع البترول المصري، ونيجيريا وغيرها من الدول الأفريقية تطرح فرصًا واعدة في واحدة من أغنى المناطق البترولية في القارة الأفريقية.
كما أن العديد من الدول باتت تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا يمتلك خبرات فنية متراكمة وكوادر بشرية مؤهلة وشركات قادرة على المنافسة في أنشطة البحث، والإنتاج، والخدمات البترولية، والتعدينية.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، فالبحث عن مصادر الطاقة وتأمينها لم يعد رفاهية أو اختيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية تفرضها المتغيرات العالمية وحجم التحديات التي تواجه الاقتصادات الحديثة.
ومن الجزائر إلى تركيا… ومن أذربيجان إلى نيجيريا، تبدو الفرص واضحة أمام الجميع ويبقى التحدي الحقيقي ليس في اكتشاف هذه الفرص، بل في امتلاك الجرأة على اقتناصها.
فالفرص تنادي أصحابها... والدول التي تستجيب لهذا النداء تصنع مستقبلها أما المترددون فيكتفون بمشاهدة الآخرين وهم يحصدون الثمار.