الأحد 07 يونيو 2026 الموافق 21 ذو الحجة 1447

لولا حمدي البنبي ما كانت إيني موجودة الآن في مصر

336
المستقبل اليوم

إذا كنت تعتقد، عزيزي القارئ، أن البترول مجرد سلعة حاضرة، فأنت مخطئ. فالبترول تاريخ وشخصيات وخرائط ومصالح، ومجموعة من القضايا المتشابكة بين الاقتصاد والسياسة في جميع دول العالم. وإيني الإيطالية نجحت فيما لم ينجح فيه الكثيرون في قطاع البترول المصري.

عشرات الشركات العالمية الكبرى من مختلف الجنسيات جاءت واستثمرت، ولكنها في النهاية غادرت السوق المصرية، إلا إيني الإيطالية، فهي موجودة منذ خمسينيات القرن الماضي. مرت على مصر ظروف وأحوال كثيرة، وتأثر اقتصادها على مر تلك السنوات الطويلة، ودخلت في حروب عديدة، وعلى الرغم من ذلك لم تغادر إيني، مثلها مثل شركات عالمية أخرى.

وتعتبر إيني الإيطالية منطقة شرق المتوسط عموماً عمقاً استراتيجياً لإيطاليا. فقد خرجت إيطاليا من ليبيا بخسائر فادحة وهموم كبيرة، ولم تتمكن من بسط نفوذها هناك، وكانت مصر أحد الأسباب القوية لذلك. وعرفت إيطاليا أن مصر هي مفتاح هذه المنطقة، وأنها لن تستطيع التواجد فيها إذا لم يكن لها مركز نشاط اقتصادي قوي داخل مصر.

وبالفعل، حافظت إيني على هذه السياسة وتحملت الكثير، ولم تغضب يوماً من تأخر مستحقاتها، أو حتى من سرقة بعض حقولها في زمن الحرب. وكانت من أقرب الثقافات إلينا في التعامل والعمل، ونجحت في التوافق مع دولاب العمل المصري البالغ التعقيد وطريقته الخاصة في الأداء.

وإذا كان هناك فضل يُذكر لاستمرار إيني في مصر، فيعود ذلك إلى الدكتور حمدي البنبي، وزير البترول الأسبق، الذي وقف في مجلس الشعب في منتصف تسعينيات القرن الماضي مدافعاً عن وجودها، بعد أن انتهت اتفاقياتها طبقاً للدستور. وشرح للمجلس أهمية نشاطها في حقول بلاعيم ودلتا النيل، في وقت كان هناك تيار معارض قوي يطالب بإنهاء عملها في مصر.

ونجح الدكتور البنبي، بهدوئه ورزانته المعتادة، وبشرح اقتصادي وسياسي واضح وهادئ، في انتزاع موافقة المجلس على التجديد لها لمدة ثلاثين عاماً أخرى، في واحدة من أصعب جولات التشريع البترولي في مصر.

وعندما نسمع ونرى أن الحياة ما زالت تدب في الحقول القديمة، وأن إيني ما زالت تقدم المزيد لهذا البلد، إضافة إلى اكتشافات وحقول الغاز الكبرى، فإننا لا نملك إلا أن نترحم على عظماء البترول السابقين، وعلى نظرتهم الثاقبة وما قدموه من خدمات جليلة. كما يجب أن ندرك ونفهم أن وجود إيني في مصر يمثل مكسباً كبيراً ومصلحة لا يمكن إنكارها لهذا البلد.

وفي المقابل، فإن إيني أيضاً تستفيد كثيراً من هذا الوجود، وتحقق مصالحها ومصالح بلادها، ويُعد مشروع ربط الغاز القبرصي بالتسهيلات المصرية أحد أبرز نتائج وأهمية استمرار وجودها في مصر.

وفي هذا الإطار، علينا أن نبرز أهمية الندية الإيجابية المطلوبة بين الطرفين، فلا أحد يعطينا دون مقابل، ولا أحد يأخذ من بلادنا دون ثمن. إنها مصالح متبادلة يجب أن يكون الطرفان فيها فائزين.

خالص تقديرنا واحترامنا لرموز البترول السابقين، وتقديرنا لدور إيني الإيطالية الممتد عبر تاريخ طويل من العمل والإنجازات.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط