الإثنين 08 يونيو 2026 الموافق 22 ذو الحجة 1447

مجرد رأي: الكلبيون الجدد في مصر

198
المستقبل اليوم

في كل مجتمع توجد جماعات ضغط تدافع عن قضية معينة، هناك من يدافع عن العمال، ومن يدافع عن الفلاحين، ومن يدافع عن المرضى، ومن يدافع عن البيئة،وفي مصر ظهر لنا تيار جديد يمكن أن نطلق عليه اسم “الكلبيين الجدد”.

والكلبي هنا ليس شتيمة ولا وصفاً سياسياً، بل هو ذلك الشخص الذي يرى أن الكلب هو أهم مخلوق على وجه الأرض، وأن أي حديث عن مشكلات البشر يمكن تأجيله حتى ننتهي أولاً من مناقشة الحالة النفسية لكلب شارع في آخر الحارة.


هذا التيار يظهر بقوة كلما طرحت الدولة أو المواطنون مشكلة الكلاب الضالة، فإذا اشتكى طفل من عضة كلب، قالوا: لا بد أن الطفل استفزه، وإذا اشتكى رجل مسن من مطاردة مجموعة كلاب له، قالوا: ربما لم يفهم لغة الحوار بين الإنسان والكلب، وإذا تحدث الناس عن الخوف على أطفالهم أثناء الذهاب إلى المدارس، خرجت علينا عشرات المنشورات التي تتحدث عن حقوق الكلاب أكثر مما تتحدث عن حقوق الأطفال.

وفي بلد لا يزال ملايين من أبنائه يبحثون عن فرصة عمل أو سرير في مستشفى أو مسكن مناسب، تجد بعض النشطاء يتعاملون وكأن القضية المركزية للأمة هي توفير وجبات غذائية فاخرة لكلاب الشوارع.

لا أحد يعترض على الرحمة بالحيوان، فالرحمة قيمة إنسانية عظيمة، وديننا حافل بالقصص التي تحث على الرفق بالحيوان، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاطف إلى نوع من الانفصال عن الواقع، وعندما يصبح الكلب عند البعض أكثر أهمية من الإنسان نفسه.

لقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد الكلاب الضالة في بعض المناطق، ومع هذه الزيادة ارتفعت شكاوى المواطنين من المطاردات وحوادث العقر والخوف اليومي الذي يعيشه الأطفال وكبار السن، وهي مشكلة حقيقية تحتاج إلى حلول علمية وإنسانية في الوقت نفسه.

لكن بعض الكلبيين لا يريدون حلاً أصلاً، هم يريدون بقاء الوضع كما هو عليه، لأن أي إجراء لتنظيم الظاهرة أو الحد من مخاطرها يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على حقوق الكلاب، حتى لو كان الهدف حماية البشر.

وهنا تصبح المفارقة ساخرة إلى حد كبير، فالمجتمع الذي يعاني من عشرات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية يجد نفسه أحياناً في معركة طويلة حول مشاعر الكلاب، بينما يظل الإنسان نفسه في آخر قائمة الاهتمام.

الرحمة بالحيوان مطلوبة، ولكن الرحمة بالإنسان أولى، وحماية الكلاب واجب أخلاقي، لكن حماية الأطفال والمارة وكبار السن واجب لا يقبل التأجيل، أما الذين يعتقدون أن الكلب أهم من المواطن الذي يسير في الشارع، فهؤلاء يستحقون بالفعل لقب “الكلبيين".
#حكاوي_علام




تم نسخ الرابط