السبت 27 يونيو 2026 الموافق 12 محرم 1448

مجرد رأي: ماذا تعني زيارة غروب الخميس لمصنع متوقف ؟

468
المستقبل اليوم

هناك زيارات تنتهي بمجرد انتهاء التصوير، وتصبح خبرًا قديمًا في اليوم التالي، وهناك زيارات لا تبدأ إلا بعد مغادرة صاحبها المكان، لأن الناس تنشغل بما وراءها أكثر مما انشغلت بما قيل فيها.

زيارة وزير البترول إلى مصنع دمياط للإسالة كانت من النوع الثاني، ليس لأن الوزير أخطأ في الزيارة، فمن حقه أن يذهب إلى أي موقع وفي أي وقت، وإنما لأن المشهد كله جاء خارج المألوف، مصنع متوقف عن التشغيل منذ فترة، وزيارة قبل غروب شمس الخميس، وهو توقيت يعرف الموظفون قبل غيرهم أنه نهاية أسبوع العمل، حيث تخلو المكاتب، وتغادر القيادات مواقعها، وتبدأ الشركات في إغلاق ملفات الأسبوع انتظاراً للأسبوع القادم، لهذا لم يتوقف أحد أمام البيان الرسمي بقدر ما توقفوا أمام التوقيت نفسه.

فالبيان أعاد الحديث عن الغاز القبرصي، وعن جاهزية المصنع، وعن مركز مصر الإقليمي للطاقة، وهي عناوين مطروحة منذ شهور، ولم يكن فيها جديد، الجديد كان في اختيار أن تتم هذه الجولة الآن، وبهذه الصورة، داخل مصنع متوقف، ولا توجد به أزمة تشغيل تستدعي انتقال الوزير على هذا النحو، بينما الإدارة الفعلية للشركة تعمل من القاهرة، ولا يبقى في الموقع سوى عناصر التشغيل والتأمين، ومن هنا بدأ الناس يبحثون عن المعنى الذي لم يكتبه البيان.

ثم جاءت الصورة الثانية في المشهد، المهندس يس محمد، الذي تولى شرح إمكانات المصنع للوزير، والرجل ليس اسمًا مجهولاً في ملف الغاز، فقد قاد إيجاس، وكان أحد أبرز الوجوه في ملف سفن التغييز، ثم خرج من موقعه، وانتقل إلى الوزارة، قبل أن يستقر نائبًا لرئيس شركة دمياط للإسالة وفق نظام التمثيل المصري، لذلك كان من الطبيعي أن يربط البعض بين وجوده في قلب الزيارة وبين توقيتها، حتى لو لم يكن هناك دليل على أن الزيارة تستهدفه أو تستهدف موقعه، خاصةً وأن موقع الإدارة بالقاهرة ، فماذا لو لم يكن يس محمد موجوداً وذهب كغيره من الأشخاص الطبيعين لقضاء عطلته في أي مكان؟

هذه ليست اتهامات، وإنما قراءة لمشهد صنعه توقيت غير معتاد، ومكان غير معتاد، وظروف غير معتادة.

والإدارة، مثل السياسة، لا تُقرأ بالقرارات فقط، وإنما بالطريقة التي تصدر بها هذه القرارات، فاختيار الزمان والمكان قد يكون أحيانًا أبلغ من عشرات التصريحات.

ولعل أكثر ما لفت انتباهي هو  وقت الغروب، فاللغة العربية لم تجعل الغروب مجرد موعد تختفي فيه الشمس خلف الأفق، بل جعلته رمزًا لأفول مرحلة، وانتهاء مشهد وبداية مشهد آخر، ولهذا وجد كثيرون أنفسهم يقرؤون الزيارة بهذا المعنى، لا لأن الوزير قال ذلك، ولا لأن البيان أشار إليه وإنما لأن رمزية التوقيت فرضت نفسها على الحدث.

ولا أستطيع أن أقول إن الوزير اختار هذا التوقيت ليبعث برسالة بعينها، فهذا أمر لا يعلمه إلا هو، لكنني أستطيع أن أقول إن اختيار توقيت يحمل كل هذه الرمزية، ثم زيارة مصنع متوقف، ثم ظهور شخصية تدور حولها قراءات عديدة، جعل الرسالة مفتوحة على أكثر من تفسير.

ربما كانت مجرد مصادفة، وربما كانت رسالة، وربما كانت بداية لشيء سيظهر لاحقًا، أما المؤكد، فهو أن الحديث داخل القطاع لم يكن عن الغاز القبرصي، ولا عن الطاقة الاستيعابية لمصنع دمياط، وإنما عن مشهد الزيارة نفسه، وأحيانًا، يكون المشهد أبلغ من البيان.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط