الإثنين 29 يونيو 2026 الموافق 14 محرم 1448

د جمال القليوبي يكتب: دول خارج أوبك تتحكم في أسعار النفط

214
المستقبل اليوم

رب ضارة نافعة، هكذا يقال في الأمثال، حيث إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خلقت عددًا متزايدًا من الدول المنتجة للنفط خارج منظمة أوبك، وألزمتها الدخول إلى دائرة الإنتاج التجاري بكميات كبيرة، الأمر الذي وفر للأسواق العالمية مصادر بديلة للإمدادات عند حدوث أي اضطرابات جيوسياسية.

فدول مثل البرازيل وأنجولا والسنغال والمكسيك وغينيا الاستوائية وكولومبيا وإندونيسيا أصبحت تضيف معًا كميات كبيرة من النفط الخام، إلى جانب الزيادات المستمرة في إنتاج روسيا وأذربيجان، بما يجعل إجمالي الإمدادات الإضافية من خارج أوبك يقترب من نحو 13 مليون برميل يوميًا، وفق تقديرات تقريبية لمجمل هذه الدول. وقد أسهم هذا التنوع في تخفيف الاعتماد التقليدي على صادرات الخليج العربي وحدها.

كما أن أسواق الغاز الطبيعي المسال شهدت المشهد ذاته تقريبًا. فعندما ظهرت المخاوف من احتمال تعطل صادرات الغاز القطري نتيجة التوترات العسكرية، سارعت الدول الكبرى المنتجة للغاز المسال، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأستراليا وماليزيا وإندونيسيا والجزائر ونيجيريا وروسيا، إلى زيادة صادراتها للأسواق العالمية. وتشير تقديرات السوق إلى أن أي نقص محتمل يقارب عشرة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال أصبح قابلًا للتعويض من خلال زيادة المعروض العالمي، وهو ما ساعد على احتواء الأسعار ومنع حدوث قفزات كبيرة كما كان متوقعًا.

وفي الأيام الأولى للحرب، كان العامل النفسي هو المحرك الرئيسي للأسعار. فقد أدى الحديث عن تلغيم مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة البحرية إلى حالة من الذعر في البورصات العالمية، فارتفعت أسعار النفط بصورة سريعة نتيجة المخاوف من انقطاع الإمدادات. إلا أن الأسواق سرعان ما استوعبت الموقف بعد تدفق كميات إضافية من المنتجين خارج أوبك، إلى جانب اعتماد العديد من الدول الصناعية الكبرى على جزء من مخزوناتها الاستراتيجية لتغطية احتياجاتها المؤقتة، وهو ما أعاد التوازن بين العرض والطلب، وأدى إلى استقرار الأسعار من جديد.

ومن هنا يتضح أن أهمية مضيق هرمز، رغم استمرارها، لم تعد تمثل العامل الوحيد القادر على رسم اتجاه أسعار النفط العالمية كما كان الحال قبل عقود. فقد أصبحت الأسواق أكثر مرونة، وتنوعت مصادر الإمداد، وظهرت بنية إنتاجية عالمية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، الأمر الذي قلل من حساسية الأسعار تجاه الصراعات الإقليمية مقارنة بما كان يحدث في الماضي.

ومع ذلك، فإن استمرار إيران في تأكيد نفوذها على مضيق هرمز، حتى في ظل أي تفاهمات أو اتفاقات مع الولايات المتحدة، يفرض تحديًا استراتيجيًا طويل الأجل أمام دول الخليج العربي. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بإغلاق المضيق أو فتحه، بل بإمكانية تعرض حركة الملاحة مستقبلًا لقيود أو رسوم أو إجراءات قد تزيد من تكلفة نقل النفط والغاز ومشتقاته، وهو ما يدفع دول الخليج إلى التفكير بجدية في تنويع مسارات التصدير.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى الإسراع في تطوير ممرات لوجستية برية وخطوط أنابيب تربط الكويت وقطر والبحرين والعراق بشبكات النقل داخل المملكة العربية السعودية، ومنها إلى الأراضي المصرية، للاستفادة من البنية التحتية التي تمتلكها مصر، سواء عبر البحر الأحمر أو البحر المتوسط. كما يمكن أن تشمل هذه المسارات نقل النفط الخام والغاز الطبيعي ومشتقات البتروكيماويات والأسمدة والغازات الصناعية، بما يوفر بدائل آمنة ومستقرة بعيدًا عن أي مخاطر قد تهدد الملاحة في الخليج العربي.

وتملك مصر، في هذا الإطار، مجموعة من المقومات المهمة، من بينها شبكة خطوط الأنابيب، وموانئ البحرين الأحمر والمتوسط، ومرافق التخزين والتكرير، إلى جانب محطات إسالة الغاز والبنية اللوجستية التي تؤهلها للقيام بدور محور إقليمي لنقل وتداول الطاقة. ويمكن أن يسهم تعزيز الربط بين دول الخليج ومصر في رفع مستوى أمن الطاقة الإقليمي، وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية الضيقة، وتوفير مرونة أكبر للتجارة العالمية.

وفي النهاية، فإن التجربة الأخيرة أثبتت أن سوق الطاقة العالمي أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالماضي. فتنوع المنتجين، وزيادة الإنتاج من خارج أوبك، وارتفاع قدرات إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتنامي المخزونات الاستراتيجية لدى الدول المستهلكة، جميعها عوامل حدّت من تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية على أسعار النفط. كما أن تأثير مضيق هرمز لم يعد بالقوة نفسها التي كان يمثلها سابقًا، بعدما أصبحت البدائل متاحة بدرجة أكبر، واستعادت الأسواق هدوءها، واستقرت الأسعار رغم استمرار التوترات.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام دول الخليج هو الإسراع في بناء منظومة نقل بديلة ومتعددة المسارات، بما يعزز أمن صادراتها ويحافظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية في مواجهة أي أزمات مستقبلية…وإلى تكملة قادمة.




تم نسخ الرابط