الخميس 02 يوليو 2026 الموافق 17 محرم 1448

مجرد رأي: إنبي في الإمارات..بين إدارة السلامة وإدارة السمعة

256
المستقبل اليوم

لا يختلف اثنان على أن السلامة والصحة المهنية يجب أن تكون فوق كل اعتبار، وأن أي مسؤول يتهاون في حماية أرواح العاملين لا يستحق موقعه، كما أن من حق وزير البترول، بل من واجبه، أن يغضب عندما يرى مخالفة لقواعد السلامة، وأن يوجه باتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أي مقصر، لكن السؤال هنا ليس عن سلامة القرار، وإنما عن طريقة إعلانه.

فقد أصدرت وزارة البترول بيانًا صحفيًا تعلن فيه أن الوزير المهندس كريم بدوي، خلال زيارته لأحد مشروعات شركة إنبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وجه باتخاذ إجراءات إدارية بحق عاملين لم يلتزما بارتداء مهمات الوقاية الشخصية.

وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل كانت هذه الواقعة تستوجب بيانًا صحفيًا رسميًا؟ وهل كان من الضروري أن يتحول إجراء إداري داخلي إلى مادة إعلامية تتداولها المواقع الإخبارية ومنصات التواصل؟

الأمر ليس جديدًا، فالوزير سبق أن اتخذ موقفًا مشابهًا في بدايات توليه المسؤولية خلال زيارة لمعمل ميدور بالإسكندرية، عندما أبدى غضبه من بعض المخالفات المتعلقة بالسلامة، ومن الواضح أن الرجل يحمل قناعة راسخة بعدم التساهل في هذا الملف، وهي قناعة تستحق الاحترام، لكن إدارة المؤسسات الكبرى لا تقوم فقط على صحة القرار، وإنما أيضًا على كيفية تقديمه للرأي العام.

شركة إنبي ليست شركة محلية تعمل داخل حدود مصر فقط، بل هي واحدة من أكبر شركات التصميمات الهندسية في المنطقة، ولها مشروعات وعلاقات مع شركاء وجهات إقليمية ودولية، وعندما يصدر بيان رسمي يتحدث عن مخالفات وقعت داخل أحد مشروعاتها الخارجية، فإن الرسالة لا تصل إلى العاملين فقط، وإنما تصل أيضًا إلى العملاء والشركاء والمنافسين.

قد يرى البعض أن ذلك يعكس شفافية الدولة وصرامتها في تطبيق قواعد السلامة، وهذا تفسير له وجاهته، لكن هناك تفسيرًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن الصورة الذهنية للشركة قد تتأثر عندما تصبح مخالفات فردية مادة إعلامية رسمية، بينما كان يمكن التعامل معها داخل الأطر الإدارية المعتادة.

فالوزير يملك سلطة التوجيه والمحاسبة، ورئيس الشركة يملك أدوات التنفيذ، ومدير المشروع مسؤول عن الانضباط اليومي داخل الموقع، لذلك فإن الإجراءات التأديبية كان يمكن أن تُنفذ كاملة دون أن تتحول إلى عنوان صحفي.

وكان من الممكن أن يركز البيان على نجاح الزيارة، وسير العمل بالمشروع، والتأكيد على أن الوزير شدد على الالتزام الكامل بمعايير السلامة، دون الدخول في تفاصيل الإجراءات المتخذة بحق عاملين بعينهما.

إن ثقافة السلامة تُبنى بالتدريب والرقابة والالتزام المستمر، وليس فقط بإصدار البيانات، أما الرسائل الإعلامية، فمن الأفضل أن تُحسب بدقة، خاصة عندما تتعلق بشركات تمثل الدولة المصرية في أسواق خارجية وتنافس على مشروعات إقليمية ودولية.

الهدف في النهاية واحد، وهو حماية العاملين وصون سمعة شركاتنا في الوقت نفسه، وتحقيق هذين الهدفين معًا يحتاج إلى توازن دقيق بين الحزم والحكمة، حتى تصل الرسالة المطلوبة دون أن تترك انطباعات قد لا تكون مقصودة.
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط