هشام عياد يكتب: ماراثون الثانوية العامة..المعرفة أمام الواقع النفسي
تستدعي الأوطان في مراحل تحولها الكبرى رؤى استراتيجية توازن بين حتمية التطوير التكنولوجي والمعرفي، وبين الحفاظ على السلم المجتمعي والتماسك النفسي لمواطنيها.
وفي قطاع التعليم المصري الذي يشهد حراكاً مستمراً تحت قيادة الوزارة الحالية، يبدو المشهد بحاجة ماسة إلى مراجعة تلتزم بـ "النقد البناء" واللغة الدبلوماسية الرصينة، انطلاقاً من المبدأ الراسخ الذي يتبناه الرئيس عبد الفتاح السيسي في بناء الإنسان المصري وصون كرامته والارتقاء بوعيه دون إثقال كاهله.
إن صياغة السياسات التعليمية ليست مجرد معادلات فنية لرفع رتبة مصر في المؤشرات الدولية، بل هي بالأساس عملية سياسية واجتماعية تمس الوجدان العام، وتتطلب أن تسير الوزارة جنباً إلى جنب مع المواطن، تراعي مشاعره وتمتص قلقه وتنمي فيه روح الانتماء للدولة المصرية كشريك أصيل في معركة التنمية.
ومع انطلاق امتحانات شهادة إتمام الثانوية العامة، تعيش الأسر المصرية حالة استثنائية من الاستنفار النفسي والمادي.
ومن منطلق الأمانة الوطنية جاءت ردود الأفعال والآراء بالتبني شبه الإجماعي لتؤكد أن مستويات صياغة بعض الامتحانات باتت تشكل تحدياً يفوق الطاقة النفسية لأبنائنا الطلاب المضغوطين أصلاً تحت وطأة نظام تقييمي مصيري.
إن الأسر المصرية التي تكبدت في سبيل هذا العام مصاريف باهظة تخطت الحدود الاقتصادية المنطقية بدافع الأمل في تحقيق حلم مشروع يسعد بيوتها، باتت تئن تحت وطأة الضغط النفسي والمادي، مما يجعل من الضروري طرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة وضع هذه الاختبارات.
هل الهدف من التقييم الحديث هو قياس الفروق الفردية ومهارات التفكير العليا، أم تحول الأمر بغير قصد إلى ما يشبه التعجيز الذي لا يراعي الفروق بين بيئات التعلم المختلفة؟
الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب شجاعة أدبية وسياسية في إعادة ضبط معايير القياس لتتواءم مع واقع الطالب والجهد المبذول ميدانياً.
فما تبذله الوزارة من جهوداً مشهودة في مواءمة المنظومة مع المعايير الدولية وتطوير المناهج بالشراكة مع خبرات عالمية ك النموذج الياباني والألماني وغير ذلك،
فهذا التوجه في حد ذاته محمود، لكن السؤال المحوري المطروح في الأوساط النخبوية والشعبية هو
هل يتناسب وتيرة هذا التطوير الحالي مع جاهزية الأسرة المصرية؟
وهل تضمن هذه الآليات إعداد طلبة قادرين على مواجهة التغيرات المتلاحقة بسوق العمل؟
أم أنها تخلق فجوة بين المأمول الرقمي والواقع اللوجستي؟
إن التطوير الحقيقي لا يُقاس بجودة الفكرة في أدراج التخطيط، بل بمدى سلاسة تطبيقها وقبولها مجتمعياً. وتوفير أدوات هذا التطوير بشكل عادل لكافة الطبقات الاجتماعية هو الصمام الأساسي لنجاح أي رؤية دولية على أرض مصرية.
فمن أكثر المآخذ التي يطرحها الحكماء والمهتمون بملف التعليم هو غياب ما يمكن وصفه بـالمقاربة السياسية في إدارة الأزمات داخل الوزارة.
إن الإصرار على الابتعاد عن تقديم ردود شافية قاطعة، أو غياب المبادرة باتخاذ خطوات سياسية واضحة لامتصاص غضب أولياء الأمور يبعث أحياناً برسائل سلبية غير مقصودة وبالتأكيد تُفسر خطأً في الشارع وكأنها اتخاذ موقف ندّي أو عدائي ضد الطلاب وأسرهم.
الدبلوماسية الإدارية تقتضي أن تكون الوزارة ملجأ لطمأنة الرأي العام، لا مصدراً لزيادة احتقانه.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع وهو لماذا لا يتم فتح الباب أمام لجنة محايدة مستقلة لتقييم خطط الامتحانات ونواتج التعلم وتوزيع الدرجات؟
إن اللجوء إلى التقييم المستقل ليس علامة ضعف، بل هو ذروة الثقة والمكاشفة ومن شأنه أن يغلق الباب تماماً أمام المشككين ويسهم في بناء جسور الثقة المفقودة بين الرأي العام والمسؤول التنفيذي.
إننا في عهد بناء الجمهورية الجديدة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نتطلع دائماً إلى وزارات ذات طابع سياسي وإنساني في المقام الأول، وزارات لا تكتفي بـالتكنوقراطية الجافة، بل تستشعر نبض الشارع وتسير كتفاً بكتف مع المواطن المطحون الذي أرهقته وضغطته الأزمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة، والتي أثرت بشكل مباشر وواضح على مستويات معيشة الجميع.
حين يشعر المواطن بأن الوزارة الحاكمة لمستقبل أبنائه ترعاه، وتستمع لأنينه وتطبطب على قلقه بروح الأبوة والمسؤولية الوطنية، فإن ذلك يعزز تلقائياً روح الانتماء للدولة المصرية ويزيد من تلاحم الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات.
إن مراعاة مشاعر الناس في اللحظات الحرجة ليست ترفاً إدارياً، بل هي جوهر الأمن القومي والاستقرار المجتمعي لبناء مصر المستقبل.