الثلاثاء 07 يوليو 2026 الموافق 22 محرم 1448

مروه عطيه تكتب... هاتها جمايل يارب

244
المستقبل اليوم

في مصر، لا تبدأ المباريات مع صافرة الحكم، بل تبدأ قبلها بأيام، وربما بأسابيع. تبدأ في المقاهي، وفي المكاتب، وفي المواصلات، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يسأل أحدهم: "هنعمل إيه قدام الأرجنتين؟" فيرد آخر بثقة لا يعرف أحد من أين جاء بها: "إحنا قدها... هاتها جمايل يا رب."وهكذا، تتحول مباراة كرة القدم إلى حكاية شعب.فالمصري لا يشاهد الكرة بعينيه فقط، بل بقلبه أيضًا. يحمل آماله كلها، ويضعها في تسعين دقيقة، كأن الفوز ليس مجرد ثلاثة أهداف أو ثلاث نقاط، بل جرعة فرح يحتاجها القلب، ورسالة تقول إن المستحيل ليس مستحيلًا دائمًا.
وحين يكون المنافس منتخبًا بحجم الأرجنتين، يزداد المشهد شاعرية. فالعقل يحسب الفوارق، لكن القلب المصري لا يعترف كثيرًا بالحسابات. يظل متمسكًا بخيط رفيع من الأمل، ويقول ببساطة مذهلة: "وإيه يعني؟ الكورة مالهاش كبير."
ولعل أجمل ما في المصريين أنهم لا يتركون الدعابة حتى في لحظات القلق. يضحكون، ويتندرون، ويطلقون النكات، لكن خلف كل ذلك يقف طفل صغير يرفع يديه إلى السماء، ويتمنى أن يعود إلى بيته وهو يحتفل، لا وهو يواسي نفسه.
في تلك اللحظات، يصبح الوطن كله مدرجًا واحدًا. تختلف الآراء، وتتباين التوقعات لكن الدعاء يبقى واحدًا،والنبض واحدًا، والحلم واحدًا.
ومن بين آلاف الكلمات التي يمكن أن تصف انتظار  المصريين، تبقى الجملة الشعبية البسيطة هي الأصدق، لأنها خرجت من القلب مباشرة، دون تكلف أو بلاغة:
"هاتها جمايل يا رب."
جملة تشبهنا تمامالا تطلب معجزة، لكنها لا تفقد الرجاء.
لا تنكر صعوبة الطريق، لكنها تترك الباب مفتوحًا لكرم الله.
هي ليست مجرد دعاء للفوز، بل فلسفة شعب تعلّم أن الأمل لا يحتاج إلى مبررات، وأن الفرح قد يأتي من حيث لا نحتسب.
ولذلك، قبل أن تبدأ المباراة، وقبل أن تدور الكرة، وقبل أن يطلق الحكم صافرته... يكون ملايين المصريين قد قالوها بالفعل، كلٌّ بطريقته، وكلٌّ بلهجته، وكلٌّ من قلبه:
"يا رب... هاتها جمايل... واعدل المايل"
فربما كانت الكرة تُلعب في الملعب... أما الحلم، فيُولد دائمًا في قلوب الجماهير.




تم نسخ الرابط