الإثنين 13 يوليو 2026 الموافق 28 محرم 1448

مجرد رأي: كريم بدوي..الحزم في الإمارات والطمأنة في الأردن

331
المستقبل اليوم

في السياسة والإدارة، لا تُقرأ الزيارات الرسمية بجدول أعمالها فقط، وإنما بما تتركه من رسائل وانطباعات بين العاملين، أحيانًا تكون المصافحة رسالة والابتسامة رسالة والإشادة بالعاملين رسالة، بل إن طريقة الوقوف وسط الموظفين قد تكون أبلغ من عشرات الكلمات.

من هنا، يمكن قراءة زيارة المهندس كريم بدوي، إلى الأردن، خاصة إذا وُضعت بجوار زيارته السابقة إلى الإمارات، التي أُثير حولها كثير من الحديث بعد الموقف المتعلق بالنظارة السوداء وإجراءات السلامة، وهي الواقعة التي صنعت جدلًا داخل القطاع أكثر مما صنعتها خارجه.

لا أعتقد أن الوزير غير شخصيته بين الزيارتين، فالرجل منذ أن تولى الوزارة وهو لا يكاد يزور موقعاً إلا ويشيد بالعاملين، ويكرر أن العنصر البشري هو الثروة الحقيقية لقطاع البترول، وهذه ليست سياسة جديدة فرضتها زيارة الأردن، وإنما نهج ثابت منذ اليوم الأول، لكن التوقيت وحده يجعل المقارنة مشروعة.

بعد زيارة الإمارات، شعر بعض العاملين في المواقع الخارجية بأن الرسالة التي وصلت إليهم كانت صارمة، وربما اعتبرها البعض قاسية، بينما رأى آخرون أنها كانت تطبيقاً طبيعياً لقواعد السلامة التي لا تعرف المجاملة.

ثم جاءت زيارة الأردن بصورة مختلفة، كلمات هادئة وإشادة متكررة بالعاملين وتقدير لما يقدمونه خارج مصر، وأجواء بدت أكثر دفئاً وإنسانية.

ويسأل البعض: هل كانت هذه مصادفة؟، ربما، وهل كانت رسالة مقصودة لإزالة أي أثر نفسي تركته زيارة الإمارات؟، ربما أيضاً.

لكن المؤكد أن الوزير يدرك أن إدارة البشر لا تقل أهمية عن إدارة الحجر، وأن العامل عندما يشعر بالتقدير يصبح أكثر استعدادًا للعطاء والالتزام.

وهناك مدرسة في الإدارة ترى أن الوزير يجب أن يبقى بعيدًا عن التفاصيل اليومية، وأن مهمته وضع الاستراتيجيات والسياسات وترك التنفيذ لرؤساء الشركات والقيادات التنفيذية، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن انشغال الوزير بأدق التفاصيل قد يسحب جزءاً من وقته وتركيزه بعيداً عن المسئوليات الكبرى، وفي المقابل، هناك مدرسة أخرى تؤمن بأن القائد الحقيقي هو من ينزل إلى مواقع العمل بنفسه، ويتابع التفاصيل، ويطمئن على تطبيق قواعد السلامة، لأن الحوادث الكبرى تبدأ غالباً من مخالفة صغيرة لم ينتبه إليها أحد.

وأتصور أن المهندس كريم بدوي ينتمي بوضوح إلى المدرسة الثانية، فالرجل قضى سنوات طويلة في الشركات العالمية، حيث لا توجد تفاصيل صغيرة عندما يتعلق الأمر بالسلامة، هناك قد تؤدي نظارة غير مطابقة، أو خوذة غير مثبتة، أو إجراء بسيط لم يُنفذ، إلى حادث تتجاوز خسائره ملايين الدولارات، وربما أرواحاً أيضاً.

لذلك، فإن طريقته في متابعة التفاصيل ليست خروجاً عن دوره، بقدر ما هي انعكاس لثقافة مهنية تشكلت لديه قبل أن يصبح وزيراً.

لكن في الوقت نفسه، تبقى هناك حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن تطبيق الانضباط لا يتعارض مع بناء جسور الثقة، وأن الرسائل الإنسانية لا تنتقص من هيبة المسؤول، بل قد تزيدها، وربما هذا ما عكسته زيارة الأردن، فالوزير لم يتخل عن حديثه الدائم عن السلامة والانضباط، لكنه أضاف إليه مساحة أكبر من التقدير والإشادة، ليؤكد أن الالتزام لا يعني الجفاء، وأن الحزم لا يمنع الاحترام.

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به الزيارة، ليس لأن الوزير اعتذر عن شيء، ولا لأنه تراجع عن قناعة، ولكن لأنه أراد أن يؤكد أن العلاقة بين القيادة والعاملين يجب أن تبقى قائمة على معادلة متوازنة، انضباط بلا تعسف، وسلامة بلا استعراض، واحترام متبادل لا يتأثر بموقف لشخص ما أو واقعة فردية.

وفي تقديري، فإن زيارة الأردن لم تكن مجرد متابعة لمشروعات أو لقاءات عمل، بل كانت أيضاً رسالة معنوية أعادت التأكيد على أن العاملين في المواقع الخارجية جزء أصيل من منظومة قطاع البترول، وأن تقديرهم لا يقل أهمية عن متابعة أدائهم.

وربما لهذا السبب، سيظل كثيرون ينظرون إلى زيارتي الإمارات والأردن باعتبارهما فصلين متتاليين في أسلوب إدارة وزير يحاول أن يوازن بين صرامة الشركات العالمية، وخصوصية قطاع بترول يعمل فيه آلاف البشر، لكل منهم مشاعره قبل أن تكون له مهامه الوظيفية.

#المستقبل_البترولي #سقراط




تم نسخ الرابط