الأربعاء 15 يوليو 2026 الموافق 01 صفر 1448

وائل عطية يكتب: الباشمهندس زيكو

9155
المستقبل اليوم

في نهاية يوم عمل امتد اثنتي عشرة ساعة على جهاز حفر وسط الصحراء جلس أسامة على مقعد معدني قاسٍ داخل كرفان الترفيه بمعسكر الإعاشة مستندًا بظهره إلى الحائط، بينما لا تزال رائحة الغبار والزيت والديزل عالقة بملابسه. كان نصف ورديته ليلًا والنصف الآخر نهارًا ولم يعد يفرّق كثيرًا بين شروق الشمس وغروبها.
على شاشة التلفزيون كان عمرو أديب يستضيف لاعب منتخب مصر مصطفى زيكو بعد عودته من كأس العالم. استمع أسامة إلى قصة الكفاح ثم شاهد المذيع يقول متأثرًا إنه يريد أن يقبّل رأس زيكو تقديرًا لما تحمله حتى وصل إلى هذه اللحظة.

ارتسمت على وجه أسامة ابتسامة ساخرة… ليست سخرية من زيكو، بل من نفسه.
عاد به الزمن خمس سنوات إلى الوراء يوم تخرّج بتفوق من قسم هندسة البترول بجامعة السويس، الكلية التي يتنافس عليها أوائل الثانوية العامة ويحلم طلابها بأن يقودوا عمليات الحفر والإنتاج ويصمموا برامج الآبار ويطوروا الحقول ويبتكروا حلولًا هندسية لصناعة تعد من أكثر الصناعات تعقيدًا في العالم.

لكن أول مهمة كُلِّف بها على جهاز الحفر لم تكن كتابة تقرير الحفر ولا مراجعة برنامج الطفلة أو تصميم الأسمنت، بل أمره مشرف عمال النظافة أن يجمع أعقاب السجائر من أمام كرفان مهندس الحفر؛ ذلك المهندس الذي لم يكن يفصل بينه وبين أسامة سوى بضع سنوات من الخبرة أو ربما أقدار لا يعلمها إلا الله دفعت أحدهما إلى مقعد القيادة وساقت الآخر إلى مكان لم يكن يليق بمهندس بترول أن يبدأ منه مسيرته.
في تلك اللحظة لم يكن الألم في طبيعة العمل فالعمل الشريف لا ينتقص من كرامة أحد وإنما في السؤال الذي ظل يطارده منذ ذلك اليوم: لماذا درست خمس سنوات واحد من أصعب العلوم الهندسية لأقوم بعمل لا يحتاج إلى كل هذا العلم؟

مصطفى زيكو لم يصبح لاعبًا موهوبًا فجأة قبل كأس العالم. كان موهوبًا طوال الوقت لكنه لم يكن مرئيًا.
كان يلعب، ويخوض المباريات بنفس الأسلوب والروتين وينتظر فقط من يمنحه الفرصة. وقصته ليست استثناءً.
في مصر آلاف من “زيكو” في كل مجال. باحثون لا يجدون مختبرًا يحتضن أفكارهم. أطباء لا يجدون فرصة للتخصص.
مهندسون يقضون سنوات طويلة بعيدًا عن تخصصهم.
وإذا كان لكل مجال “زيكو”، فإن قطاع البترول يمتلك آلافًا من “زيكو” الذين لا يعرفهم أحد.

في كل جهاز حفر داخل الصحراء، ستجد طارق وكريم وسامح وشريف وحسام،… هذا إن كانوا محظوظين ليجدوا عملا من الأساس. كلهم خريجو هندسة بترول.

حصلوا على درجات علمية تؤهلهم لفهم هندسة الخزانات والحفر والإنتاج. يستطيعون تصميم البرامج التخصصية المعقدة وتحليل قراءات الإنتاج ومحاكاة الخزانات وتسجيلات الابار واقتصاديات تطوير الحقول، بل ومنهم نوابغ في برمجيات التطبيقات الفنية والذكاء الاصطناعي.

لكن كثيرًا منهم يبدأ سنواته الأولى في وظائف عمالة الحفر أو أعمال تشغيل لا تمت بصلة لما درسوه ثم تمر السنوات سريعًا.
خمس سنوات... سبع سنوات... وربما عشر سنوات...
ثم يكتشف أن ما تعلمه في الجامعة بدأ يتآكل وأن أحدث البرامج والنظم والتقنيات أصبحت بعيدة عنه بينما كان من الممكن أن يكون اليوم مهندسًا يقود مشروعًا أو يطور حقلًا أو يحقق اكتشافًا.
لا أحد ينتقص من قيمة العمل اي كان نوعيته. بل إن أفضل مهندس هو الذي يعمل في الموقع قبل المكتب.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين العمل الميداني كمهندس وبين تحويل سنوات عمر المهندس إلى عمل لا يستثمر قدراته العلمية.
العمل في الحقول مدرسة عظيمة. وأجهزة الحفر جامعة عملية لا تقدر بثمن. لكن يجب أن تكون محطة لبناء المهندس لا نهاية لطموحه.
القضية ليست قضية أسامة وحده. إنها قضية ثروة قومية. الدولة تنفق ملايين الجنيهات لإعداد طالب هندسة البترول حتى يتخرج. والطالب نفسه يبذل سنوات من الجهد ليصل إلى تخصص لا يقبله إلا المتفوقون. ثم، بعد كل هذا الاستثمار لا نستفيد من كامل إمكاناته. إن خسارة مهندس بترول ليست خسارة فرد. بل خسارة لاستثمار الدولة ولخبرة كان يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج أو خفض التكاليف أو اكتشاف احتياطيات جديدة.
قطاع البترول المصري يمتلك شركات مشتركة وشركات عالمية وشركات خدمات وكلها تحتاج إلى مهندسين متخصصين. لكن ما نفتقده هو وجود آلية واضحة تضمن أن الوظائف الهندسية المتخصصة يشغلها خريجو تخصصاتها وأن تكون هناك مسارات مهنية معلنة وشفافة تتيح انتقال المهندس بعد اكتسابه الخبرة الميدانية اللازمة إلى المواقع التي تتطلب تخصصه الحقيقي.
كما نحتاج إلى برامج تدريب وتأهيل مستمرة وربط احتياجات الشركات بخريجي الجامعات وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للكفاءات بما يضمن عدم ضياع المواهب بين الشركات أو بقائها سنوات في وظائف لا تستفيد من قدراتها.
ومع الطموح المصري للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة يصبح الاستثمار في العنصر البشري أهم من الاستثمار في المعدات.

فالعالم اليوم لا يستورد البترول فقط. بل يستورد الخبرات.
ومهندس البترول المصري أثبت أينما عمل أنه قادر على المنافسة في الخليج وأفريقيا وآسيا.

لكن لكي نصدر الخبرة علينا أولًا أن نصنعها وأن نمنحها الفرصة داخل وطنها.

ربما سيأتي يوم يظهر فيه أسامة على منصة يتحدث عن مشروع عملاق أو اكتشاف جديد فيصفق له الجميع ويقولون: “لم نكن نعرف أن لدينا هذه الكفاءة.”
لكن الحقيقة ستكون مختلفة.
لم يصبح أسامة مهندسًا بارعًا في تلك اللحظة. لقد كان كذلك منذ تخرجه.
كل ما في الأمر أن أحدًا قرر أخيرًا أن يضعه في المكان الذي يستحقه.
فزيكو لم يصبح موهوبًا عندما شارك في كأس العالم.
لقد كان موهوبًا منذ البداية.

وأسامه … وكل خريج هندسة بترول يعمل بعيدًا عن تخصصه… ليس أقل موهبة.
إنه فقط ينتظر الفرصة.




تم نسخ الرابط