السبت 18 يوليو 2026 الموافق 04 صفر 1448

سامح فهمي: المنصب ليس مكسب بل إختبار لصاحبه

222
المستقبل اليوم

 

مصادفةً، كان المهندس سامح فهمي يغادر أحد الأماكن بهدوئه المعتاد، لمحته من بعيد، فاقتربت منه وصافحته، وعرفته بنفسي كصحفي كتب عنه كثيراً، أحياناً اتفاقاً، وأحياناً اختلافاً، وليس أنا الصحفي الذي يعرفه منذ سنوات، ولا الصحفي الذي يحبه ويعرفه جيداً .

ابتسم ابتسامته الهادئة، فقلت له:
– معالي الوزير…سؤال راودني كثيراً، هل الذي صنع تجربة البترول المصرية في الثلاثون سنة الماضية هو حبك للمهنة، أم أن المهنة هي التي صنعت هذا الحب داخلك؟

توقف قليلًا، ثم وضع شيءً كان يحمله فوق مقعد، وأجاب:

– هذا سؤال يشبه السؤال الذي لا توجد له إجابة واحدة...الإنسان لا يختار دائماً ما يحب، أحياناً الطريق هو الذي يختارك، كنت أتعامل مع البترول باعتباره مشروع دولة، ثم وجدت نفسي بعد سنوات أتعامل معه باعتباره جزء من حياتي.

قلت:
– لكن الناس لا تزال تتحدث عن سنواتك، بين من يراها سنوات بناء، ومن يراها سنوات قرارات صعبة.

ابتسم وقال:
– هذه طبيعة أي تجربة عظيمة، لا توجد مرحلة يؤيدها الجميع، ولا مرحلة يرفضها الجميع، الزمن والنتائج وحدهما هما من يحكمان.

سألته:
– وما الذي يبقى في النهاية؟

نظر إليَّ قليلاً قبل أن يجيب:
– يبقى ما تقدمه للناس، وليس ما قيل عنك، المناصب مؤقتة، لكن القطاع إذا أصبح أقوى مما كان عليه، فأنت قد ربحت.

قلت:
– وهل كان المنصب يستحق كل هذا الثمن؟

قال:
– المنصب ليس مكسباً كما يظن البعض، بل اختبار، كل قرار له مؤيد ومعارض، وكل نجاح يسبقه قلق، وكل فشل يلاحق صاحبه سنوات، لهذا كنت أعتبر أن أصعب ما في المنصب ليس اتخاذ القرار، بل تحمل مسؤوليته.

قلت:
– كثيرون يظنون أن الوزير يمتلك كل الإجابات.

ضحك وقال:
– الوزير الناجح هو أكثر الناس طرحاً للأسئلة، وليس أكثرهم امتلاكًا للإجابات، عندما تتوقف عن السؤال تبدأ في ارتكاب الأخطاء.

سألته:
– وهل تغيرت نظرتك إلى السلطة بعد أن تركتها منذ 15 عام؟

أجاب بلا تردد:
– بالطبع، الكرسي يجعلك ترى الناس من زاوية، وبعد أن تتركه تراهم من زاوية أخرى، لذلك لا ينبغي لأحد أن يصدق أن الكرسي دائم، ولا أن يظن أن خروجه منه نهاية العالم.

قلت:
– وما أكثر شيء تعلمته؟

قال:
– أن الكيانات تعيش بالأشخاص فترة، لكنها لا تستمر إلا بالقواعد، لأن الأشخاص يرحلون، أما ما يضعونه من نظم فهو الذي يبقى.
-------------------
كان المهندس سامح فهمي ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر، فأدركت أن لديه موعداً آخر أكثر أهمية، صافحته معتذراً عن الوقت الذي أخذته منه.

وقبل أن يغادر، وضع يده على كتفي وقال:
– يا عثمان…الصحافة والتاريخ بينهما شبه كبير، كلاهما لا ينبغي أن يكتفي بما يراه، بل يبحث عما وراءه، اكتب ما تراه، لكن لا تنس أن الزمن سيكتب هو أيضاً، وربما تكون روايته أكثر إنصافاً من روايتنا جميعاً.

غادر المهندس سامح فعمي بهدوء، وبقيت أنا أتأمل عبارته الأخيرة، أدركت أن بعض الرجال يتركون المناصب، لكن المناصب لا تغادر سيرتهم بسهولة.

ملحوظة:

هذا الحوار من خيالي، ولا يستند إلى أي لقاء حقيقي.




تم نسخ الرابط