الإثنين 27 يوليو 2026 الموافق 13 صفر 1448

*وائل عطية يكتب: أزمة سولار*

8497
المستقبل اليوم

تأخرت مصر كثيرًا في قراءة التحول الذي شهده سوق الطاقة العالمي... فبينما كانت دول أخرى تبني الخزانات العملاقة وتطوّر مصانع التكرير والبتروكيماويات وتتحول إلى مراكز دولية لتجارة الخام والمنتجات البترولية ظل الرهان المحلي منصبًا بدرجة كبيرة على زيادة الإنتاج وحدها. ومع تراجع إنتاج البترول والغاز واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك أصبحنا ندفع ثمن الفرصة الضائعة مرتين: مرة في صورة واردات من الخام والغاز ومرة أخرى في صورة منتجات بترولية مرتفعة القيمة.

واليوم بينما تضرب أزمة السولار الأسواق العالمية وترتفع هوامش التكرير إلى مستويات استثنائية تتكشف بوضوح تكلفة هذا التأخر. فالأزمة التي تحولت لدى الدول المالكة لمصانع التكرير الحديثة وسعات التخزين الكبيرة إلى مصدر للأرباح والنفوذ، وصلت إلينا في صورة فاتورة استيراد متصاعدة تبلغ أكثر من 32 مليار دولار سنويا وضغوط على العملة الأجنبية وأمن الإمدادات.

وفي المقابل حمل إعلان المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية من معمل تكرير الإسكندرية للبترول إشارة إيجابية؛ إذ أكد ارتفاع معدلات تشغيل معامل التكرير المصرية إلى نحو ٨٠٪؜ خلال العام الجاري بما يدعم توفير احتياجات السوق المحلية، ويحد من الواردات ويسمح بالتوسع في تصدير المنتجات التي تحقق مصر فيها فائضًا.
وأوضح الوزير أن صادرات المنتجات البترولية تجاوزت ٢.٣ مليون طن خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦ بما يعادل إجمالي صادرات عام ٢٠٢٥ بالكامل مع توقعات بارتفاعها إلى ٢.٥ مليون طن خلال النصف الثاني من العام. كما بلغت قيمة صادرات المنتجات البترولية وفي مقدمتها وقود الطائرات والنافتا والشموع ومقطر التفريغ نحو ٢.٣ مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى يونيو ٢٠٢٦.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة عند ربطها بأزمة السولار العالمية التي تفاقمت بفعل اضطراب الممرات البحرية وخطوط نقل الطاقة. فقد أدى تهديد الملاحة في مضيق هرمز وممرات أخرى إلى زيادة المخاوف بشأن صادرات مصافي الخليج الكبرى في الوقت الذي تسببت فيه الهجمات على المصافي الروسية في خفض طاقات التكرير وتقليص صادرات الديزل.
ودفعت هذه التطورات عددًا من الدول إلى تشديد القيود على صادراتها لحماية أسواقها المحلية؛ ففرضت الصين ضوابط على تصدير المشتقات واستخدمت الهند الضرائب للحد من التصدير بينما ربطت كوريا الجنوبية الصادرات بتغطية احتياجات السوق المحلية أولًا. وتزامن ذلك مع زيادة المضاربات وتخزين كميات كبيرة من السولار انتظارًا لارتفاع الأسعار ما أدى إلى مزيد من الضغوط على المعروض واتساع هوامش أرباح التكرير.
كما شهدت حركة ناقلات المنتجات البترولية ارتباكًا نتيجة إعادة بيع الشحنات وتغيير وجهاتها في عرض البحر. فقد تتحرك شحنة سولار نحو سوق معينة ثم يُعاد بيعها مرات عدة وتتغير وجهتها قبل الوصول فتتحول عمليًا إلى مخزون عائم يبقى في البحر فترات أطول بدلًا من وصوله إلى المستهلك النهائي في الوقت المناسب.

تكشف الأزمة حجم ما خسرته مصر نتيجة التأخر في بناء منظومة متكاملة لتخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية والتوسع الأفقي والرأسي في معامل التكرير والصناعات البتروكيماوية.
وتعاني السوق المصرية فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي من الخام والغاز وبين الطلب المتزايد تتجاوز ٥٠٪؜ في بعض المنتجات والاستخدامات. كما أن جهود الاستكشاف وتنمية الحقول الجديدة وإعادة تأهيل الحقول المتقادمة لم تتمكن حتى الآن من ملاحقة معدلات الانخفاض الطبيعي في الإنتاج بالتزامن مع النمو المستمر في الطلب المحلي.
وهنا يجب التمييز بين زيادة إنتاج الخام والغاز وتعظيم قيمتهما الاقتصادية. فالتكرير والبتروكيماويات لا يعوضان جيولوجيًا نقص الاحتياطيات أو تراجع إنتاج الحقول لكنهما يستطيعان الحد من التداعيات الاقتصادية لهذا العجز وتقليص فاتورة استيراد المنتجات النهائية.
فبدلًا من استيراد منتجات مكررة مرتفعة التكلفة تستطيع مصر استيراد الخامات ومدخلات التشغيل المناسبة ثم تكريرها وتصنيعها محليًا لتغطية احتياجات السوق وتصدير المنتجات الأعلى قيمة. وبذلك يتحول جزء من فاتورة الاستيراد إلى نشاط صناعي يوفر فرص العمل ويولد النقد الأجنبي ويرفع كفاءة الأصول القائمة.

أثبتت أزمة السولار أن امتلاك الخام وحده لا يضمن أمن الطاقة ما لم تتوافر القدرة على تحويله إلى المنتجات التي يحتاج إليها السوق. فقد تمتلك دولة احتياطيات كبيرة من النفط لكنها تضطر إلى استيراد السولار والبنزين بسبب محدودية قدرات التكرير أو عدم ملاءمة مصانع التكرير لنوعية الطلب المحلي. وفي المقابل يمكن لدولة محدودة الإنتاج أن تصبح مركزًا إقليميًا ناجحًا للتكرير والتخزين والتجارة.
وتمتلك مصر مقومات قوية لتحقيق ذلك في مقدمتها قناة السويس وخط سوميد والموانئ المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط وشبكات التخزين والنقل ومعامل التكرير والقاعدة الصناعية. غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه المقومات تتطلب تطوير وحدات التكرير وزيادة إنتاج السولار ووقود الطائرات والتوسع في التخزين الاستراتيجي والتجاري وربط معامل التكرير بمجمعات البتروكيماويات والصناعات التحويلية.
ولا يعني ذلك التراجع عن الاستثمار في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول؛ فزيادة الإنتاج المحلي تظل ضرورة لا بديل عنها. لكن أمن الطاقة لا يجوز أن يعتمد فقط على اكتشافات جديدة قد تحتاج إلى سنوات قبل دخولها مرحلة الإنتاج.
إن رفع معدلات تشغيل معامل التكرير المصرية إلى نحو ٨٠٪؜ خطوة مهمة لكنها يجب أن تكون بداية لمسار أكبر يحول مصر من سوق شديد التأثر بالأزمات العالمية إلى مركز إقليمي لتخزين الطاقة وتداولها وتكرير الخام وتصنيع المنتجات البترولية والبتروكيماوية.
ففي عالم تتزايد فيه قيمة المنتجات البترولية، أصبحت مصانع التكرير الحديثة وسعات التخزين والموانئ وشبكات التجارة أدوات للسيادة الاقتصادية لا تقل أهمية عن حقول البترول المنتجة.




تم نسخ الرابط