الأربعاء 29 يوليو 2026 الموافق 15 صفر 1448

وائل عطية يكتب: البترول…وزارة حرب لا وزارة مشتريات

3744
المستقبل اليوم

كثيرًا ما يُضرب المثل بالمؤسسة العسكرية عندما يكون الحديث عن الانضباط والالتزام وإدارة الأزمات وتنفيذ المهام بأقل الخسائر مع الحفاظ على الأرواح والمقدرات. ومن واقع ما شهدته هذه الصناعة على مدار سنوات أستطيع أن أقول إن قطاع البترول لا يقل انضباطًا أو التزامًا عن أي مؤسسة عسكرية؛ فهو قطاع يعمل في ظروف استثنائية ويحمل على عاتقه مسؤولية لا تقل خطورة عن حماية الحدود وهي حماية أمن الطاقة للدولة.

خلف كل لتر وقود يصل إلى محطة خدمة وكل متر مكعب من الغاز يصل إلى منزل أو مصنع منظومة هائلة تعمل على مدار الساعة. يبدأ دورها من العامل في حقول البترول والغاز مرورًا بالفنيين والمهندسين والعاملين في الخدمات المساندة وصولًا إلى رؤساء الشركات والهيئات والوزير. الجميع يعمل داخل منظومة لا تعرف التوقف ولا تعترف بالفشل كخيار.

من لم يعش حياة مواقع الإنتاج في الصحراء أو البحر ولم يجرب نظام الورديات الذي يذيب الفارق بين الليل والنهار لن يدرك حجم الضغوط التي يعيشها العاملون في هذه الصناعة. فالمهام لا تتوقف والقرارات تُتخذ في لحظات وأي خطأ قد تكون له كلفة بشرية أو اقتصادية أو بيئية باهظة.

وعندما شهد القطاع عددًا من الحوادث في شركات مثل سينوثروة والمصرية للحفر وأديس وبتروجيت وغيرها فإن ذلك لا يمحو تاريخًا طويلًا من الإنجازات ولا يُدين مؤسسات صنعت لعقود نجاحات يشهد بها الجميع. فالحوادث مهما كانت مؤلمة تظل دروسًا يجب الاستفادة منها لتطوير منظومة السلامة وإدارة المخاطر لا ذريعة لهدم مؤسسات بأكملها أو التشكيك في كفاءتها.

والأمر نفسه ينطبق على الأخطاء الفردية. فسقطة المتحدث الرسمي لوزارة البترول لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لتاريخ الرجل أو للمؤسسة التي ينتمي إليها. فالقيادة في أي مؤسسة لا تعني أن صاحبها هو الأفضل فنيًا في كل الأحوال وإنما هي مزيج من الخبرة والإدارة والظروف التي وضعته في هذا المكان وأيضا" القدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع الظروف والمتغيرات.

لقد مرّت مصر بمرحلة عصيبة عندما عانت من تخفيف الأحمال الكهربائية وكانت تلك التجربة كافية لتدرك الدولة أن أمن الطاقة ليس ملفًا يحتمل المغامرة أو التجربة. ومنذ ذلك الحين تحملت الدولة وقطاع البترول مسؤولية ضخمة لتأمين احتياجات البلاد من الوقود والغاز الطبيعي وضمان استمرار الكهرباء وتوفير المنتجات البترولية دون انقطاع رغم التقلبات العالمية وارتفاع الأسعار والأزمات الجيوسياسية.

من الظلم اختزال هذه المنظومة في عبارة ساخرة مثل (وزارة مشتريات) وحتى إذا نظرنا إليها من زاوية تأمين احتياجات الدولة من الطاقة فإن إدارة عمليات شراء الغاز والمنتجات البترولية والتعاقد عليها في سوق عالمية شديدة التقلب تتأثر بالحروب والأزمات والتصريحات السياسية قبل الأحداث نفسها ليست مهمة سهلة، بل هي عمل استراتيجي يحتاج إلى خبرات عالية وقدرات تفاوضية وإدارة دقيقة للمخاطر. وتأمين احتياجات أكثر من مائة وعشرين مليون مواطن في ظروف دولية استثنائية ليس أمرًا يمكن التقليل من شأنه أو السخرية منه.
غير أن الدفاع عن القطاع لا يعني إعفاءه من مسؤولية تطوير خطابه الإعلامي، فالكلمة في صناعة البترول لا تقل أهمية عن القرار الفني. لذلك فإن الأرقام الصادرة عن وزارة البترول يجب أن تُراجع بمنتهى الدقة قبل إعلانها وأن تصدر عن مسؤولين يدركون ثقل الكلمة ومسؤولية التصريح في قطاع يرتبط مباشرة بالاقتصاد والأمن القومي. ولا توجد مشكلة في أن نخاطب الرأي العام بلغة بسيطة يفهمها الجميع، بل إن ذلك مطلوب، لكن دون الوقوع في فخ المبالغة أو الإكثار من استخدام عبارات مثل (الأكبر) و(الأفضل) و(الأضخم) و(غير المسبوق) فالمواطن عندما يسمع هذه العبارات يبني عليها توقعات كبيرة وينتظر أن يرى نتائج استثنائية على أرض الواقع. والحقيقة الفنية مختلفة؛ فإضافة عشرات الملايين من الأقدام المكعبة من الغاز يوميًا أو بضعة آلاف من براميل البترول تمثل إنجازًا تشغيليًا مهمًا يستحق التقدير لكنها لا تكفي وحدها لسد فجوة تبلغ مليارات الأقدام المكعبة من الغاز أو مئات الآلاف من براميل النفط يوميًا. إن مصارحة الناس بحجم الإنجاز الحقيقي لا تقلل من قيمته، بل تمنحه المصداقية وتبني الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

لقد أثبت قطاع البترول عبر تاريخه أنه مدرسة لإعداد القيادات وهو ما يفسر تولي العديد من أبنائه مناصب وزارية وسيادية بارزة مثل المهندس حمدي الشايب والمهندس هاني ضاحي والمهندس محمد الشيمي والسيد محمد سعفان والسيد محمد جبران والمهندس إبراهيم مكي وغيرهم ممن تحملوا مسؤوليات وطنية كبيرة داخل الدولة وخارج القطاع.

وهذا لا يعني أن القطاع فوق النقد، بل على العكس تمامًا. لم ولن نتوقف عن النقد الموضوعي الضروري لأي مؤسسة ناجحة وهو السبيل لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء ورفع كفاءة الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد البنّاء الذي يسعى للإصلاح والهجوم المستمر الذي يتحول إلى سخرية وتشويه وتقويض للثقة في مؤسسة تمثل أحد أعمدة الأمن القومي.

وأعجبتني مقولة الأستاذ عثمان علام: كل مُرٍّ يمر. وهي عبارة تختصر حقيقة مهمة وهي أن الأزمات تمر وتنتهي بينما تبقى الدروس المستفادة. كما أن النقد الذاتي هو أحد أهم مؤشرات المؤسسات القوية لأنه يعكس الثقة بالنفس والرغبة في التطور.

سنتجاوز أخطاء الأفراد وسنتعلم من الحوادث وسيستمر قطاع البترول في تطوير نفسه وبديناميكية يعرفها الخبراء، لكن ما يثير التساؤل حقًا هو الكم المتزايد من البيانات والمعلومات الدقيقة التي تتسرب بصورة مستمرة رغم أنها لا تكون متاحة في كثير من الأحيان حتى لعدد كبير من العاملين داخل القطاع نفسه.

إن الحفاظ على أسرار صناعة تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد وأحد مرتكزات الأمن القومي مسؤولية عظيمة. وإذا كان هناك خلل في تداول المعلومات أو في حماية البيانات فإن علاجه يبدأ من داخل البيت بإعادة ترتيب الأدوار وتشديد منظومة الحوكمة وتعزيز ثقافة الحفاظ على المعلومات بما يضمن حماية مقدرات هذا القطاع الحيوي.

إن وزارة البترول ليست مجرد جهة تدير حقولًا أو تعقد صفقات أو تشتري شحنات وقود، بل هي مؤسسة تدير معركة يومية صامتة لضمان استمرار الحياة. ولهذا، فإن وصفها بأنها (وزارة حرب) قد يكون أقرب إلى الحقيقة من أي وصف آخر؛ حرب تُخاض كل يوم من أجل أن تبقى المصانع تدور والمستشفيات تعمل بكامل طاقاتها والمنازل مضاءة والاقتصاد قادرًا على الاستمرار.




تم نسخ الرابط