د حمزه سعد: بيان وزارة البترول درس في الاتصال المؤسسي وإدارة السمعة أثناء الأزمات
في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الأخبار الكاذبة مجرد معلومات خاطئة، بل أصبحت عنصرًا قد يضاعف آثار الأزمة، ويهدد الثقة، ويؤثر في الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وربما يفوق خطرها الحدث الأصلي نفسه.
وقد مثلت واقعة الحريق بميناء دمياط نموذجا واضحًا لذلك. فما إن وقع الحادث حتى انتشرت روايات متضاربة على منصات التواصل، وصل بعضها إلى الحديث عن استهداف سفينة أمريكية بطائرة مسيّرة، قبل أن تصدر البيانات الرسمية لتوضح حقيقة ما جرى.
ومن منظور علم إدارة الأزمات والاتصال الاستراتيجي، يمكن تقييم بيان وزارة البترول والثروة المعدنية بوصفه نموذجا جيدا في الاتصال أثناء الأزمات، لعدة أسباب.
أولًا، السرعة. تؤكد نظريات إدارة الأزمات، وعلى رأسها نظرية الاتصال الموقفي للأزمات (SCCT)أن الساعات الأولى هي الأكثر حساسية في تشكيل إدراك الجمهور. وكل دقيقة تتأخر فيها المؤسسة عن تقديم روايتها الرسمية تمنح الشائعة فرصة للانتشار والتحول إلى “حقيقة” في أذهان الناس. وقد جاء البيان سريعًا، وهو ما حدّ من اتساع دائرة التأويلات.
ثانيا، تقديم الحقائق قبل التفسيرات. فقد أوضح البيان طبيعة الحادث، ومكانه، والإجراءات التي اتخذت، وأكد عدم وجود خسائر بشرية، واستمرار أعمال السيطرة، وهي المعلومات الأساسية التي يحتاجها الجمهور في اللحظات الأولى. وهذا يتوافق مع مبدأ “سد الفراغ المعلوماتي”، لأن الشائعات تنمو غالبا في البيئات التي يغيب عنها الخبر الموثق.
ثالثا، إظهار القيادة الميدانية. فالإشارة إلى انتقال وزير البترول إلى موقع الحادث ليست مجرد معلومة إدارية، بل رسالة اتصالية تعزز الثقة وتؤكد أن القيادة تتابع الحدث مباشرة. وفي أدبيات العلاقات العامة، تعد القيادة المرئية أحد أهم عناصر بناء الثقة أثناء الأزمات.
رابعًا، الدعوة إلى الاعتماد على المصادر الرسمية. فقد اختتم البيان بمناشدة وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل تحري الدقة واستقاء المعلومات من البيانات الرسمية. وهذه خطوة مهمة، لأن مكافحة الأخبار الكاذبة لا تتم بالنفي وحده، بل ببناء مرجعية موثوقة يعود إليها الجمهور عند الأزمات.
ومع ذلك، فإن أفضل الممارسات العالمية تشير إلى أن الاتصال في الأزمات لا ينتهي بإصدار البيان الأول، بل يحتاج إلى تحديثات منتظمة حتى انتهاء الحدث. فالجمهور لا يبحث فقط عن الحقيقة، بل يبحث أيضًا عن الاطمئنان واستمرار تدفق المعلومات. ولهذا فإن المتابعة المستمرة تقلل من فرص عودة الشائعات، وتحافظ على مصداقية المؤسسة.
بيان وزارة البترول يستحق الإشادة لأنه التزم من بالمبادئ الأساسية للاتصال في الأزمات: وهي السرعة، والشفافية، والدقة، وإظهار القيادة، والتحديث المستمر، والدعوة إلى الاعتماد على المصادر الرسمية.