السبت 22 أغسطس 2026 الموافق 09 ربيع الأول 1448

قطاع البترول وقاع الهامور..من يكون سبونج بوب ومن يلعب دور مستر سلطع؟

318
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 

اجتاح (قاع الهامور)، مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت المدينة الخيالية التي يعيش فيها سبونج بوب وأصدقاؤه إلى مرآة ساخرة يرى فيها كل شخص ملامح من مدينته أو مؤسسته أو مكان عمله، والحقيقة أن المتأمل لشخصيات هذا العالم الكرتوني سيجد أن بعضاً منها يعيش بيننا بالفعل، بل وربما يعمل داخل قطاع البترول ويرتدي الأفرول ويحضر الاجتماعات ويجلس على مقاعد القيادات!

وقطاع البترول، شأنه شأن أي مجتمع كبير، يضم مختلف النماذج البشرية، فيه المجتهد والانتهازي، المخلص والمتكاسل، صاحب الخبرة وصاحب الحظوة، من يعمل في صمت ومن يتكلم، ومن يحمل القطاع على كتفيه بينما يتقدم غيره لالتقاط الصورة.

في (قاع الهامور) نجد سبونج بوب، ذلك الموظف المتحمس الذي يستيقظ كل صباح سعيداً بعمله، ويؤدي واجبه بإخلاص شديد، ولا يشكو من ضغط العمل أو ضعف المرتب، وهذا النموذج موجود بكثرة في مواقع الإنتاج والحقول ومعامل التكرير، مهندس أو فني أو عامل يقضي الساعات الطويلة أمام المعدات، ويتحمل حرارة الجو، ويعود إلى منزله مجهداً، لكنه يشعر بالفخر لأنه ساهم في استمرار الإنتاج.

سبونج بوب قطاع البترول هو العامل الحقيقي الذي لا يظهر في الصور، ولا يعرف طريق المكاتب المكيفة، ولا يجيد صناعة العلاقات، قد يتأخر حقه في الترقية، وقد يسبقه من هو أقل منه كفاءة، لكنه يظل حاضراً عند كل أزمة، فإذا تعطلت وحدة، أو توقف بئر، أو حدث تسريب، كان أول من يحضر وآخر من يغادر.

أما (مستر سلطع)، فهو صاحب المطعم الذي يقيس كل شيء بالأموال والأرباح، وهذا النموذج قد نجده في بعض الإدارات التي تتحدث طوال الوقت عن خفض النفقات، ولكنها تبدأ التخفيض من حقوق العاملين ومستلزمات التشغيل، بينما تظل نفقات المظاهر والمؤتمرات والاحتفالات والسيارات خارج الحسابات.

مستر سلطع البترولي لا يسأل الموظف: ماذا تحتاج حتى تنجح؟ بل يسأله: كم وفرت؟ وقد يؤجل أعمال الصيانة ليبدو الرقم جيداً في الميزانية، ثم تنفجر المشكلة بعد ذلك وندفع أضعاف ما كان مطلوباً، الإدارة الاقتصادية مطلوبة، وترشيد الإنفاق ضرورة، لكن الفارق كبير بين الترشيد والبخل، وبين حماية المال العام وتعريض الأصول والعاملين للخطر من أجل رقم مؤقت في تقرير.

ويجلس (شفيق حبار)، في ركنه المعتاد، غاضباً من كل شيء، موظف يمتلك الخبرة وربما الموهبة، لكنه فقد الحماس بعد سنوات من التجاهل، رأى الأقل كفاءة يتقدمون، وأصحاب العلاقات يحصلون على الفرص، بينما بقي هو في مكانه، تحول تدريجياً من موظف طموح إلى شخص ناقم، يؤدي الحد الأدنى من عمله وينتظر موعد الانصراف.

لكن قبل أن نلوم (شفيق) قطاع البترول، يجب أن نسأل: من الذي صنع إحباطه؟ وهل ولد متذمراً أم أن بيئة العمل قتلـت داخله الرغبة في العطاء؟ إن أخطر ما قد تفعله الإدارة ليس أن تخسر موظف بالاستقالة، بل أن يبقى الموظف في موقعه بعدما يستقيل من داخله.

ثم يأتي (بسيط نجم)، ذلك الذي لا يعرف كثيراً، لكنه سعيد ومطمئن، وتسير أموره بطريقة تدعو إلى الدهشة، وفي بعض الشركات تجد نموذجاً مشابهاً، نموذج لا يمتلك خبرة كبيرة، ولا يتحمل مسؤولية، ومع ذلك يحضر الاجتماعات المهمة، ويسافر في المأموريات، ويحصل على المكافآت، وربما يترقى أسرع من الجميع.

لا أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي يفعله، لكنه موجود دائماً بالقرب من أصحاب القرار، وإذا سألته عن مشكلة فنية أجابك بابتسامة، وإذا طلبت منه تقريراً أحالك إلى موظف آخر، ومع ذلك تظل حظوظه أفضل من سبونج بوب الذي يعمل ليل نهار.

أما (شمشون)، فهو النموذج الذي يريد الوصول إلى سر الخلطة بأي وسيلة، يظهر في صورة الموظف الذي لا ينشغل بتطوير نفسه بقدر انشغاله بمعرفة ما يدور خلف الأبواب والكواليس، وبمن سيرحل؟ ومن سيأتي؟ ومن المرشح لرئاسة الشركة؟ ومتى تصدر الحركة؟ يتقرب من هذا وينقل حديث ذاك، ويجمع المعلومات، ثم يستخدمها في الوقت المناسب لتحقيق مصلحة شخصية.

شمشون البترولي لا يصنع نجاح، وإنما يحاول سرقة نجاح الآخرين، وقد يقدم أفكار زملائه باعتبارها أفكاره، أو ينسب إلى نفسه إنجاز فريق كامل، أو يتسلل إلى دوائر القرار عن طريق الوشاية ونقل الكلام، مشكلته الدائمة أنه يريد التركيبة السرية للمنصب، ولا يدرك أن المناصب التي تأتي بالمناورة كثيراً ما تسقط عند أول اختبار حقيقي.

وفي الجهة المقابلة تقف (ساندي أمور)، صاحبة العلم والتجربة والجرأة، وهي تشبه الكفاءات الفنية التي درست وتدربت واكتسبت خبرات حقيقية، لكنها تجد نفسها أحياناً وسط بيئة لا تحتفي بالعلم ولا بالخبرة بالقدر الكافي، تتحدث عن التكنولوجيا والتحول الرقمي ورفع كفاءة العمل وتطوير الأنظمة والبشر، بينما ينشغل آخرون بالمقاعد والصور وترتيب الأسماء في البيانات الرسمية.

ساندي قطاع البترول قد تكون مهندسة شابة أو باحثاً متخصصاً أو خبيراً عاد من الخارج حاملاً أفكاراً جديدة، أو محاسباً، ثم اصطدم بعبارة: نحن نعمل بهذه الطريقة منذ سنوات، ولو أعطيت هذه الكفاءات المساحة الحقيقية، لاستطاعت تغيير الكثير، لكن بعض المؤسسات تخشى الفكرة الجديدة أكثر مما تخشى استمرار المشكلة القديمة.

وتظهر (مدام نفيخة)، معلمة القيادة التي تحاول في كل مرة تدريب سبونج بوب، لكنه يفسد الاختبار، وهي تُذكرنا ببعض إدارات التدريب التي تنظم البرامج نفسها كل عام، وتصدر الشهادات نفسها، من دون أن تسأل عن أثر التدريب في الأداء، يدخل الموظف الدورة ويخرج منها كما دخل، ثم تضاف الشهادة إلى ملفه ويغلق الموضوع.

والتدريب الحقيقي ليس قاعة فاخرة وصورة جماعية ووجبة غداء، وإنما مهارة جديدة تظهر آثارها في موقع العمل. أما التدريب الذي لا يغير الأداء، فهو مجرد حلقة جديدة من محاولات مدام نفيخة التي لا تنتهي.

ويبقى (جاري)، ذلك الكائن الهادئ الذي لا يتحدث كثيراً، لكنه يفهم ما لا يفهمه الآخرون، وهو يشبه الموظفين الذين يعملون بصمت ويحفظون أسرار العمل وتفاصيل المواقع، لا يطلبون الظهور، لكن الجميع يبحث عنهم عند وقوع الأزمات، هؤلاء هم الذاكرة الحقيقية للشركات، ورحيلهم إلى المعاش أو استقالتهم من دون نقل خبراتهم يترك فراغ لا يعوض.

أما سكان قاع الهامور الذين يلهثون خلف كل شائعة ويجتمعون عند كل أزمة، فهم موجودون أيضاً في القطاع، ينتظرون حركة التغييرات أكثر مما ينتظرون نتائج الإنتاج، ويناقشون أسماء رؤساء الشركات أكثر مما يناقشون خطط الحفر، تبدأ الشائعة من مكتب صغير، ثم تصل إلى الديوان والهيئة والشركات، وفي نهاية اليوم يعرف الجميع خبراً لم يصدر أصلاً.

المشكلة ليست في وجود هذه الشخصيات، فهي موجودة في كل مكان، ولكنها تبدأ عندما يصبح (بسيط) مسؤولاً عن سبونج بوب، ويحصل (شمشون) على سر الخلطة، ويقرر (مستر سلطع)، تأجيل الصيانة، ويجلس (شفيق) محبط، بينما تظل (ساندي) خارج الدائرة.

عندها لا يعود قاع الهامور مجرد مدينة كرتونية، وإنما يتحول إلى أسلوب إدارة كامل: المجتهد يعمل، والانتهازي يصعد، والخبير يصمت، والمهمش يغضب، والمسؤول يتابع الأرقام، والجميع ينتظر الحلقة القادمة.

قطاع البترول ليس (قاع الهامور)، فهو قطاع عريق يضم آلاف الكفاءات ويحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية الاقتصاد وأمن الطاقة، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب ألا نترك شخصيات قاع الهامور تتحكم في المشهد، فلا يُكافأ بسيط على بساطته، ولا ينجح شمشون بمؤامراته، ولا يتحول مستر سلطع إلى نموذج للإدارة، ولا نترك شفيق يغرق في إحباطه.

الأهم أن نمنح سبونج بوب حقه، ونفتح الباب أمام ساندي، ونحافظ على خبرة جاري، ونضع كل شخصية في مكانها الصحيح.

المؤسسات لا تغرق بسبب نقص الأبطال، وإنما عندما تسند قيادة السفينة إلى الشخصيات الخطأ، والمفارقة أن قاع الهامور يقع تحت الماء، أما بعض المؤسسات فقد تصل إليه وهي تسير فوق الأرض!

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط