الخميس 17 سبتمبر 2026 الموافق 06 ربيع الثاني 1448

السيسى يحذر من الاستعلاء بالمناصب أو الوظائف أو بالتدين أو بالشعور بالاستقامة

219
المستقبل اليوم

حملت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الخميس، بشأن التحذير من «الاستعلاء» رسالة حساسة، خاصة أن الرئيس لم يقصر حديثه على الاستعلاء بالمنصب أو الوظيفة، وإنما وسّع الدائرة لتشمل التدين والشعور بالاستقامة وغيرها من الصور التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه أفضل من الآخرين.

وجاءت تصريحات الرئيس خلال حضوره حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، وهي مناسبة ترتبط في الأساس بإعداد وتأهيل كوادر مؤسسات الدولة، ما يمنح الحديث عن السلوك الوظيفي وطريقة تعامل المسؤول مع الآخرين دلالة خاصة.


المعنى المباشر لتحذيرات الرئيس يتمثل في الفصل بين امتلاك السلطة وبين الشعور بالتفوق على الآخرين، فالمنصب يمنح صاحبه اختصاصات ومسؤوليات، لكنه لا يمنحه مكانة إنسانية أعلى من المواطن أو الموظف الذي يتعامل معه، ومن هنا يمكن قراءة الرسالة باعتبارها تأكيدًا على أن المسؤول الناجح لا يُقاس فقط بما يمتلكه من صلاحيات أو بما يحققه من نتائج، وإنما كذلك بطريقة استخدامه للسلطة وكيفية تعامله مع مرؤوسيه والمواطنين.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر عندما يكون الحديث موجهًا في مناسبة تتعلق بتأهيل كوادر الدولة، لأن نجاح برامج التدريب والاختيار لا يكتمل بمجرد اكتساب المعرفة والانضباط، وإنما بطريقة انعكاس ذلك على الأداء داخل المؤسسات.

وهذه ليست المرة الأولى التي يربط فيها الرئيس بين التأهيل ورفض الاستعلاء، ففي زيارة للأكاديمية العسكرية في يناير 2026، أكد أن من يتلقى دوراتها عليه نقل أثرها الإيجابي إلى مؤسسات الدولة دون الاستعلاء على الآخرين ممن لم يتلقوا تلك الدورات.


اللافت أن التحذير لم يتوقف عند أصحاب المناصب والوظائف، بل امتد إلى الاستعلاء بالتدين أو الشعور بالاستقامة، وهنا تصبح الرسالة أوسع من مجرد توجيه إداري، فالمقصود وفق ظاهر التصريحات هو رفض فكرة أن يمنح الإنسان لنفسه مرتبة أعلى من الآخرين، سواء استند في ذلك إلى منصبه أو علمه أو وظيفته أو تصوره عن درجة تدينه واستقامته.

وقد سبق للرئيس أن تناول الفكرة نفسها في سياقات سابقة، ففي عام 2017 تحدث عن ضرورة التمييز بين «الاعتزاز» و«الاستعلاء»، وربط التطرف بمحاولات فرض الرؤى والمعتقدات على الآخرين والشعور بالتفوق عليهم.

ويمكن قراءة تصريحات الرئيس في جانب منها باعتبارها رسالة عامة إلى العاملين والمسؤولين في مؤسسات الدولة بأن الوظيفة العامة لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز يفصل المسؤول عن الناس.

والدلالة الأوضح هي التركيز على ثقافة ممارسة المسؤولية: أن يمتلك المسؤول الصلاحيات اللازمة لأداء عمله، وفي الوقت نفسه يدرك أن تلك الصلاحيات أداة لخدمة المؤسسة والمواطن وليست وسيلة لإظهار النفوذ.

وتطرح تصريحات الرئيس قضية مهمة في إدارة المؤسسات، فاختيار القيادات لا يرتبط فقط بالشهادات والخبرات والأرقام التي يحققها المسؤول، وإنما يرتبط أيضًا بالسلوك وقدرته على التعامل مع الناس.

وهو معنى يتسق مع حديث الرئيس السابق عن أن فكرة الأكاديمية العسكرية تقوم على وضع معايير للانتقاء والاختيار تتناسب مع احتياجات مؤسسات الدولة، وأن التطوير يشمل إلى جانب المعرفة والتعليم بناء القيم والسلوكيات العامة.

ومن ثم، يمكن النظر إلى التحذير من الاستعلاء باعتباره تأكيدًا على أن عملية إعداد القيادات لا تستهدف صناعة مسؤول أكثر قدرة على إصدار الأوامر، بقدر ما تستهدف إعداد مسؤول أكثر قدرة على تحمل المسؤولية والتعامل المنضبط والمحترم مع الآخرين.

صدور هذه الرسالة خلال تخريج كوادر للجهات والهيئات القضائية يجعل بعدها المؤسسي واضح، لكن من المهم عدم تحميل التوقيت دلالات سياسية أو إدارية لم يتضمنها الخطاب نفسه، فالثابت هو أن الرئيس اختار الحديث أمام مجموعة من كوادر الدولة عن خطر الشعور بالتفوق، سواء كان مصدره المنصب أو الوظيفة أو حتى تصور الإنسان عن نفسه واستقامته.

وبذلك تصبح الرسالة أبعد من مجرد نصيحة أخلاقية، فهي تطرح تصورًا لطبيعة العلاقة بين المسؤول والسلطة: أن تكون قوة المنصب في أداء واجباته، لا في الاستعلاء به على الآخرين.

وربما تكون خلاصة الرسالة في أبسط صورها: كلما ارتفع موقع المسؤول، زادت مسؤوليته تجاه الناس، ولم يرتفع قدره فوقهم لمجرد أنه أصبح صاحب منصب.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط