تحليل: ماذا تحمل رسائل الرئيس لمسئولي قطاع البترول؟
لم يكن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتحويل مستهدفات قطاع البترول إلى برامج تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للمتابعة والقياس، مجرد عبارة عابرة، بل حمل رسالة مباشرة إلى قيادات القطاع مفادها أن مرحلة عرض الخطط والطموحات العامة يجب أن تتبعها مرحلة التنفيذ الفعلي، وفق جداول زمنية وأرقام يمكن محاسبة المسؤولين عنها.
الرئيس يريد أن يعرف: كم بئرًا سيتم حفرها؟ ومتى تدخل الآبار الجديدة على الإنتاج؟ وما الكميات التي ستضيفها يوميًا؟ وكم ستوفر للدولة من فاتورة استيراد الزيت الخام والغاز والمنتجات البترولية؟ ومن المسؤول عن تنفيذ كل برنامج؟ وما العقبات التي تعترضه؟ فالهدف لم يعد إعلان خطة لزيادة الإنتاج، وإنما تحديد الزيادة المنتظرة من كل حقل وشركة ومنطقة امتياز، ووضع توقيت واضح لتحقيقها، ثم قياس ما تحقق على أرض الواقع مقارنة بما كان مستهدفًا.
التوجيه الرئاسي يعني أن كل هدف معلن يجب أن يتحول إلى برنامج تفصيلي يتضمن: حجم الإنتاج الحالي والمستهدف وعدد الآبار ومواعيد حفرها وربطها بالإنتاج وحجم الاستثمارات المطلوبة ومصادر تمويلها والجهة أو الشركة المسؤولة عن التنفيذو التحديات الفنية والمالية وسبل إزالتها، والوفر المتوقع في فاتورة الاستيراد، ومؤشرات متابعة شهرية وربع سنوية، وإجراءات واضحة عند التأخر عن البرنامج الزمني.
وبذلك لا تظل عبارات مثل زيادة الإنتاج وتكثيف الاستكشاف وتعظيم القيمة المضافة، شعارات، بل تتحول إلى التزامات رقمية يمكن متابعتها وتقييمها.
متابعة الرئيس لمؤشرات إنتاج الزيت الخام والغاز الطبيعي تعكس إدراكًا بأن قضية الطاقة أصبحت من أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن الاقتصادي للدولة، فكل تراجع في الإنتاج المحلي يعني زيادة الاحتياجات الاستيرادية، ومزيدًا من الضغط على النقد الأجنبي والموازنة العامة.
ومن هنا، يريد الرئيس برنامجًا عاجلًا لوقف التراجع أولًا، ثم استعادة الإنتاج وزيادته، من خلال الإسراع بتنمية الاكتشافات غير المنماة، وحفر آبار جديدة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لرفع معدلات الاستخراج من الحقول القديمة، كما يريد أن تتحول الخطة الخمسية إلى أهداف سنوية وشهرية، حتى لا ننتظر خمس سنوات قبل اكتشاف وجود انحراف عن المستهدف.
توجيه الرئيس بتوفير الحوافز للشركاء وتذليل التحديات أمامهم يؤكد أن الدولة تدرك أن زيادة الإنتاج تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتكنولوجيا وخبرات فنية، لكن الرسالة هنا تقوم على معادلة واضحة: الدولة تلتزم بسداد مستحقات الشركاء وتحسين شروط الاستثمار، وفي المقابل يجب أن تلتزم الشركات الأجنبية ببرامج محددة لحفر الآبار وتنمية الحقول ورفع الإنتاج، أي أن الحوافز ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للحصول على إنتاج جديد خلال توقيتات معلومة.
عرض وزير البترول المشروعات والآبار المنتظر دخولها على خريطة الإنتاج حتى ديسمبر 2026 يجعل الشهور المقبلة فترة اختبار حقيقية، المطلوب ألا تظل هذه المشروعات مجرد أسماء في العروض المقدمة، بل أن تدخل الإنتاج في المواعيد المحددة وبالكميات المعلنة.
ومن المرجح أن تشمل المتابعة الرئاسية المقبلة مقارنة مباشرة بين المستهدف وما تحقق، ومعرفة أسباب تأخر أي بئر أو مشروع، والجهة المسؤولة عن هذا التأخير.
إذاًً ماذا يريد الرئيس من معامل التكرير؟
في ملف التكرير، لا يريد الرئيس مجرد الإعلان عن تنفيذ ستة مشروعات باستثمارات تتجاوز أربعة مليارات دولار، وإنما يريد معرفة تأثيرها المباشر في الاقتصاد: كم طنًا ستضيفه هذه المشروعات من السولار والبنزين والمنتجات عالية القيمة؟ وكم ستخفض من الواردات؟ ومتى يبدأ التشغيل التجاري لكل مشروع؟ وهل تعمل معامل التكرير القائمة بأقصى كفاءة ممكنة؟، فالقيمة الحقيقية لأي مشروع لا تقاس بحجم استثماراته فقط، وإنما بما يضيفه من إنتاج وما يوفره من عملة أجنبية.
وقد شمل التوجيه الرئاسي كذلك تحقيق نقلة نوعية في تعظيم القيمة المضافة من الثروات المعدنية، والمقصود هنا هو تجاوز النموذج التقليدي القائم على استخراج الخامات وتصديرها في صورتها الأولية، والاتجاه إلى إقامة صناعات تحويلية تنتج سلعًا نهائية أو وسيطة ذات عائد اقتصادي أكبر.
فالرئيس يريد أن تصبح الثروة المعدنية مصدرًا حقيقيًا للدخل والاستثمار والتشغيل، لا مجرد ملف للامتيازات والمزايدات وتصدير المواد الخام.
والسؤال: هل يحمل التوجيه نقدًا لأداء القطاع؟
يمكن قراءة التوجيه باعتباره تنبيهًا قويًا، فتكرار الحديث عن ضرورة تحويل المستهدفات إلى برامج قابلة للقياس يعني أن القيادة السياسية لم تعد تكتفي بعرض الرؤى والخطط العامة، وتريد رؤية نتائج ملموسة ومؤشرات واضحة.
وهذا لا يعني بالضرورة عدم وجود خطط داخل القطاع، لكنه يكشف أن المطلوب هو رفع درجة التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتيجة، والكشف المبكر عن أي تأخير بدلًا من الانتظار حتى نهاية العام المالي.
الخلاصة: الرئيس يريد من قطاع البترول خمسة أمور محددة: زيادة الإنتاج المحلي، تقليل الاستيراد، تأمين احتياجات السوق، جذب استثمارات جديدة، وتعظيم العائد من الثروات البترولية والمعدنية.
لكنه يريدها في صورة أرقام ومواعيد ومسؤوليات، وليس مجرد شعارات، والسؤال الذي سيحكم تقييم المرحلة المقبلة لن يكون: ما الخطط التي وضعها القطاع؟ وإنما: كم تحقق منها، ومتى، وبأي تكلفة، وكم وفرت للدولة؟
وهنا تكمن الرسالة الأهم في التوجيه الرئاسي: النجاح ليس بعدد الاجتماعات والعروض والكلمات، وإنما بعدد الآبار التي دخلت الإنتاج، وكميات الوقود التي لم نعد بحاجة إلى استيرادها، والدولارات التي نجحت الدولة في توفيرها.
#المستقبل_البترولي