مجرد رأي: هل يتم الإفصاح أم نظل في مرحلة التوضيح والتبرير؟
الصورة التي يقدمها قطاع البترول هذه الأيام تطرح تساؤلات حول كيفية قراءة نتائج أعماله، فما بين أرقام وأخرى قد يصعب تكوين تقييم متكامل لما تحقق من تقدم وما لا يزال قائماً من تحديات، فهناك جانب رسمي يعرض نتائج تشير إلى تحسن الإنتاج وارتفاع معدلات تشغيل معامل التكرير، إلى جانب توقيع اتفاقيات تتضمن التزامات بالإنفاق وتفتح آفاقاً لمستقبل أفضل، وإن كانت بعض هذه البيانات تحتاج إلى مزيد من الأرقام التفصيلية لتوضيح الصورة، وفي المقابل، هناك من يرى أن المؤشرات الاقتصادية تستدعي التوقف أمام استمرار الاعتماد على الاستيراد وما يرتبط به من أعباء على الموازنة العامة، وأن استقرار الإمدادات، على أهميته، يحتاج إلى أن يواكبه تعزيز القاعدة الإنتاجية المحلية، بما يتيح تغطية نسبة أكبر من الاحتياجات وتخفيف أعباء الاستيراد تدريجياً.
مشكلة هذا التضاد أنه خطير لأن كل جانب يعرض أرقاماً وكلاً منها لها مرجعية بكل تأكيد ولم تأتي من بنات الأفكار أو التخيلات، وهنا يأتي تعريف (الإفصاح) وهو إجراء معروف في بورصة الأوراق المالية لبيانات الموقف المالي للشركات المتبارية على منصتها وهو حق للعملاء وله أسس وقواعد محاسبية صارمة لا مجاملة فيها، ويأتي هذا الإجراء بعد مرحلة طويلة من ترتيب البيانات ووضعها في الشكل المتعارف عليه وهي خطوات تتخذها أي شركة حتى تصبح جاهزة للعرض والطلب بشكل قانوني عادل، ويسبق هذا الإجراء ما يسمى بالتوضيح والاطلاع والمناقشة.
خطوة الإفصاح عادة تكون لجهات محددة لديها القدرة على تحليل وفهم الأرقام ووضعها في مراكزها المالية الصحيحة بدون التغول على الجهود أو الأشخاص وتحديد قدرة المنشأة بشكل علمي دقيق.
لذلك فمن المفترض أن يتم مواجهة أصحاب الأرقام الرمادية أو الآراء السلبية بإفصاح كامل متكامل بالأرقام الحقيقية بدون رتوش ووضعها في شكلها الصحيح أياً كان تقييمها كان خسارة أو مكسب، ولكن السؤال الأصعب هنا: هل لدى قطاع البترول القدرة على الوصول إلى مرحلة الإفصاح أم أنه ما زال في مرحلة التوضيح ومناقشة الخطط وأطر العمل ولم يتم الاستقرار على الوضع النهائي لاستراتيجية عمل وتعامل محددة؟ القطاع في النهاية ليس قطاعاً اجتماعياً يتلقى دعماً من الدولة ليقوم على واجبه ولكنه قطاع اقتصادي في المقام الأول مطلوب منه تحقيق ربحية حتى يظل قائماً مستنداً إلى قواعد اقتصادية ومالية ثابتة، الاستيراد في حد ذاته ليس جريمة أو ينتقص من دوره ولكن يجب أن يكون له محددات اقتصادية إيجابية وقيمة مضافة تعمل على استدامته طالما لم ننجح في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
يمكن اختصار الحديث في أن الوضع بالتأكيد معقد ويجب أن يعالج بحكمة وبمفهوم سياسي أولاً والابتعاد قليلاً عن المبررات والأسباب الفنية لأنها ليست في مجال اهتمام الرأي العام ولا تعنيه، فلا هو مهموم بالتكسير الهيدروليكي أو الحفر الأفقي، لذلك لا يمكن أن يظل البترول يدور في مرحلة التوضيح والتبرير الفني إلى ما لا نهاية، ولكن يجب أن يكون له مطالبات محددة يحددها بمعرفته إما اقتصادية أو تشريعية أو هيكلية يضعها على طاولة أي حديث حتى يتمكن من بلورة أي دور له أو تحقيق أهداف محددة واضحة للجميع ولا يصبح قطاع البترول ميداناً مفتوحاً متحملاً لكل المطالب والمسؤوليات سواء كانت تخصه أو لا تخصه.
بهذا فقط تتضح الصورة وتكون الأسباب ظاهرة ويصبح النقد اللاذع في غير موضعه، أما ترك الأمور للاستبيان والاجتهاد والغرق في أدوات إدارة الأزمة لإرضاء جميع الأطراف فهذا يفتح الباب على مصراعيه لأعاصير النقد والهجوم ويصبح لكل منا أرقامه واجتهاداته ولن نصل إلى نتيجة أبداً ونظل ندور في حلقة مفرغة من الرأي والرأي الآخر لا تعرف أيهما صحيح وتفقد منظومة العمل أي تقدم حقيقي تخدم هذا القطاع وتسانده. والسلام،،
سقراط