الأربعاء 09 سبتمبر 2026 الموافق 27 ربيع الأول 1448

سامح فهمي وراندا أبو العزم: حوار أعاد الماضي إلى طاولة النقاش

129
المستقبل اليوم

لم يكن ظهور المهندس سامح فهمي، وزير البترول الأسبق، في حواره مع الإعلامية راندا أبو العزم على قناة العربية، مجرد استعادة لذكريات مسؤول غادر منصبه منذ سنوات، بل كان محاولة لإعادة تقديم مرحلة كاملة من تاريخ قطاع البترول المصري، خصوصاً ما يتعلق بملف تصدير الغاز إلى إسرائيل، والاستراتيجية التي اتبعتها الدولة للتحول إلى مصدر للغاز، ثم الأسباب التي أدت بعد ذلك إلى عودة مصر للاستيراد.

الحوار اتسم بالهدوء، لكنه فتح واحداً من أكثر الملفات حساسية سياسياً وشعبياً واقتصادياً، فقد دافع فهمي عن قرارات مرحلته، مؤكداً أن تصدير الغاز لم يكن قرار فردي، وإنما جاء ضمن استراتيجية دولة، أعدها خبراء القطاع، في وقت كان فيه الإنتاج يفوق الاستهلاك وكانت الاحتياطيات المعلنة ترتفع مع توالي الاكتشافات.

وقال فهمي إن احتياطيات الغاز وصلت في نهاية فترة توليه المسؤولية إلى نحو 78 تريليون قدم مكعبة، وإن إنشاء مشروعات إسالة الغاز وتصديره كان يستهدف تشجيع الشركات العالمية على ضخ استثمارات جديدة في البحث والاستكشاف، من خلال توفير سوق تسمح بتصريف الإنتاج وتحقيق عائد اقتصادي.

كما رفض الاتهامات التي لاحقته بشأن بيع الغاز إلى إسرائيل بأسعار متدنية، معتبراً أن القضية قامت على ما وصفه بسوء فهم لطبيعة عقود الغاز طويلة الأجل، وأن الأسعار كانت تخضع لمعادلات وآليات مراجعة، وليست رقمًا ثابتًا يستمر طوال مدة العقد.

ورأى أن محاكمته كانت من أفضل الأحداث التي مر بها، لأنها أتاحت له تقديم المستندات وكشف تفاصيل لم تكن معروفة للرأي العام، ومن الناحية القانونية، حصل فهمي وخمسة من قيادات قطاع البترول على البراءة في إعادة المحاكمة عام 2015، ثم أيدت محكمة النقض الحكم في 27 أكتوبر 2016، ليصبح نهائياً وباتاً في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل.

من الناحية السياسية، حمل الحوار معنى يتجاوز تجربة سامح فهمي الشخصية، فقد أعاد فتح ملف كان أحد العناوين الكبرى للهجوم على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، واستخدم بعد يناير 2011 بوصفه دليلاً على إهدار الموارد وغياب الشفافية.

لكن فهمي حاول نقل القضية من المجال السياسي إلى المجال الفني والقانوني، مؤكداً أن التصدير كان قرار دولة، وأن وزارة البترول أدت دورها التنفيذي والفني، بينما خضعت الاتفاقات للإجراءات والمؤسسات المعنية.

هذه النقطة تمثل قلب الرسالة السياسية للحوار: الوزير الأسبق لا يدافع عن عقد تجاري فقط، بل يدافع عن شرعية السياسات التي اتبعتها الدولة في ذلك الوقت، ويحاول الفصل بين التقييم السياسي لنظام مبارك والتقييم الفني لقطاع البترول، وفي المقابل، يظل تصدير الغاز إلى إسرائيل قضية لا يمكن فصلها بالكامل عن السياسة، فالمتلقي المصري لم ينظر إليها يوماً باعتبارها صفقة بيع وشراء فقط، وإنما ربطها بطبيعة العلاقات المصرية الإسرائيلية، وبشخصيات لعبت دور الوسيط، وبغياب المعلومات الكاملة عن الأسعار والشروط وقت إبرام العقود.

ومن هنا، فإن حكم البراءة حسم المسؤولية الجنائية بحق فهمي والقيادات المشمولة بالقضية، لكنه لا يمنع استمرار النقاش السياسي حول مدى سلامة القرار، ومستوى الشفافية، وما إذا كانت المصلحة الاقتصادية للدولة قد قدمت للرأي العام بالصورة الكافية.

كما أن توقيت إذاعة الحوار، في ظل اعتماد مصر حالياً على واردات الغاز، ومنها الغاز الإسرائيلي، منح تصريحات فهمي دلالة إضافية، فالرجل الذي حوكم بسبب تصدير الغاز إلى إسرائيل يتحدث اليوم بينما أصبحت إسرائيل نفسها مصدراً للغاز إلى مصر، وهذا التحول يوضح أن خريطة الطاقة لا تدار بالمواقف الثابتة، بل بحجم الاحتياطيات والإنتاج والاستهلاك والاستثمار والظروف الإقليمية.


من الناحية الاقتصادية، قدم سامح فهمي تفسيراً منطقياً لقرار التصدير في ضوء ظروف مرحلته: وجود فائض بين الإنتاج والاستهلاك، وارتفاع الاحتياطيات، والحاجة إلى إقامة مصانع إسالة ومد خطوط وإنشاء سوق تصديرية تجذب الشركات العالمية، هذه الفلسفة صحيحة من حيث الأصل، لأن شركات البحث والإنتاج تحتاج إلى سوق تضمن لها بيع الغاز واسترداد استثماراتها، كما أن مصانع الإسالة المصرية في إدكو ودمياط أصبحت فيما بعد من الأصول الاستراتيجية المهمة التي منحت مصر ميزة لا تتوافر للعديد من دول المنطقة.

لكن التقييم الاقتصادي لا يتوقف عند سلامة فكرة التصدير، بل يمتد إلى أربعة أسئلة أساسية: هل كانت تقديرات الاحتياطيات قابلة للتحقق التجاري؟ وهل رُوعي النمو المتوقع للاستهلاك المحلي؟ وهل تضمنت العقود مرونة كافية لمراجعة الأسعار والكميات؟ وهل استمرت الدولة في ضخ الاستثمارات اللازمة لتعويض التناقص الطبيعي للحقول؟

هنا تكمن الفجوة بين رواية الماضي والواقع اللاحق، فمصر لم تتحول إلى مستورد لمجرد زيادة السكان أو ظهور منافسين جدد في شرق المتوسط، وإنما نتيجة تداخل عدة عوامل، في مقدمتها الزيادة الكبيرة في استهلاك الكهرباء والصناعة، وتراجع الاستثمارات خلال بعض الفترات، وتأخر سداد مستحقات الشركاء الأجانب، إلى جانب الانخفاض الطبيعي في إنتاج الحقول.

وقد انخفض إنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة بعدما كان قد تجاوز 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً، ووصل إلى اقل من 4 مليار قدم مكعب يومياً في 2025 ، مع استهداف العودة إلى مستوى 6.6 مليار قدم مكعبة في 2027.

لذلك، فإن إرجاع التحول من التصدير إلى الاستيراد إلى الاستهلاك والزيادة السكانية فقط يظل تفسير ناقص، فزيادة الطلب كانت متوقعة ويمكن تقديرها، أما المتغير الحاسم فكان قدرة الدولة على إضافة احتياطيات جديدة وتحويلها إلى إنتاج بالسرعة التي تعوض تراجع الحقول.

كما يجب التعامل بحذر مع المقارنات الرقمية التي وردت في الحوار، فقول إن إنتاج عام 2005 كان يقارب ضعف الإنتاج الحالي لا يتوافق بدقة مع الأرقام المتداولة، إذ تشير بيانات منشورة إلى أن إنتاج 2005 كان في حدود 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، وهو مستوى قريب من بعض تقديرات الإنتاج خلال 2025 و2026، وليس ضعفه، وقد تكون المقارنة التي قصدها الوزير الأسبق مرتبطة بفائض الإنتاج على الاستهلاك، لا بحجم الإنتاج المجرد.

أما على المستوى الشعبي، سيبقى استقبال الحوار منقسم، فريق سيرى فيه إنصافاً لوزير تعرض للاتهام والسجن ثم حصل على حكم نهائي بالبراءة، وأن من حقه عرض روايته والدفاع عن اسمه وتاريخ القيادات التي عملت معه، وفريق آخر سيعتبر الحوار محاولة لإعادة تلميع مرحلة سياسية كاملة، خاصةً وأن قضية الغاز ارتبطت في الوعي العام بالغموض ورجال الأعمال المقربين من السلطة والتعامل مع إسرائيل في وقت كانت فيه السوق المحلية تعاني أزمات الطاقة، وهذا الانقسام مفهوم، لأن الأحكام القضائية تفصل في المسؤولية الجنائية استناداً إلى الأدلة والقانون، بينما يتشكل الحكم الشعبي من الظروف السياسية والأسعار ومستوى المعيشة ومدى شعور المواطن بالاستفادة من موارد بلاده.

وقد يكون أكثر ما أثار انتباه الجمهور هو قول فهمي إن محاكمته كانت من أفضل ما حدث له، العبارة قوية إنسانياً وإعلامياً، لأنها تقلب صورة المتهم إلى مسؤول يرى أن المحاكمة كانت طريقه لإثبات البراءة، لكنها لا تكفي وحدها لإقناع كل قطاعات الرأي العام، الذي يحتاج إلى نشر العقود ومعادلات التسعير والكميات وآليات المراجعة حتى يستطيع تكوين حكم اقتصادي مستقل.

أما راندا أبو العزم، فقد نجحت في دفع الحوار إلى مناطق ظلت لسنوات محاطة بالحساسية، ولم تتعامل مع الضيف باعتباره وزير سابق يقدم ذكرياته فقط، بل واجهته بالأسئلة التي لا تزال حاضرة لدى الجمهور: من اتخذ قرار التصدير؟ ولماذا استخدمت شركة وسيطة؟ وهل كان السعر عادلًا؟ ولماذا تحولت مصر إلى الاستيراد؟

ومع ذلك، فإن طبيعة الحوار منحته مساحة واسعة لتقديم روايته، بينما كانت بعض الملفات تحتاج إلى مواجهة أكثر تفصيلاً بالأرقام والمستندات، خاصةً ما يتعلق بالفارق بين الاحتياطيات المؤكدة والاحتياطيات المحتملة، ومعادلات التسعير، وحجم الإنتاج الحقيقي في سنوات التصدير.

الخلاصة: حوار سامح فهمي مع العربية، كان أقرب إلى مرافعة سياسية وفنية متأخرة منه إلى مجرد شهادة تاريخية، الوزير الأسبق قدم دفاع متماسك عن فلسفة التصدير، واستند إلى حكم البراءة النهائي في نفي مسؤوليته الجنائية، لكنه لم يغلق كل أبواب النقاش الاقتصادي والسياسي.

لكن الحوار نجح في تذكير الرأي العام بأن قطاع البترول لا يدار بشعارات اللحظة، وأن القرارات يجب تقييمها وفق المعلومات التي كانت متاحة وقت اتخاذها، لكنه أكد أيضاً أن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالغاز لا يكفي أن تكون سليمة فنياً أو قانونياً، بل يجب أن تكون واضحة للرأي العام، مرنة اقتصادياً، وقادرة على حماية احتياجات الأجيال المقبلة.

سامح فهمي خرج من الحوار مدافعاً قوياً عن تجربته، لكن التاريخ لا تصنعه رواية مسؤول واحد، كما لا تصنعه الاتهامات الشعبية وحدها، التاريخ الحقيقي يوجد في العقود والأرقام وميزان ما حصلت عليه الدولة وما تحملته من تكاليف، ومن هنا، أعاد الحوار فتح القضية، لكنه لم يكتب كلمتها الأخيرة.

تحليل #المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط